بنود الموقع
عضوية الموقع

احصائيات الموقع

عدد الزوار   
672
عدد الصفحات   
52
عدد الزيارات   
185165


جديد الموقع: الفاضحة !!
جديد الموقع: عجبا رأيت !!
جديد الموقع: سَذاجَةُ فراشَة
جديد الموقع: عبرة لأولي النُّهى

الأبحاث العلمية

حقوق الأقليات في الإسلام

.
نشر بتاريخ السبت, 13 أيلول/سبتمبر 2014 14:55

المراد بالأقليات

كثيرا ما يطلق مصطلح: (أقليات) على كل مجموعة بشرية في أي قطر من الأقطار، تتميز عن أكثرية أهله ببعض الأشياء نحو: الدين أو المذهب أو العرق..

فهو مصطلح تم اختراعه في العصر الحديث بسبب التخوف على حقوق فئة قليلة العدد تعيش وسط أغلبية تختلف مع هذه الأقلية بالدين أو المذهب أو العرق أو نحو ذلك مما يؤبه له في التمييز بين الشعوب. وما ذلك إلا لخشية أن تطغى الأكثرية على القلة الضعيفة فتهدد دين هذه الأقلية أو وجودها أو ثقافتها أو نحو ذلك.

والذي يقصده الباحث في هذا البحث هو: أقلية غير مسلمة تعيش في دولة تحكم بالإسلام، وأكثر أهلها من المسلمين.

 

إلا أنه هناك مسألة يغفل عنها الكثيرون: فالأقلية العددية الأصل فيها الضعف، ولكن لو افترضنا أن القلة كانت لها مواصفات من السيطرة على الكثرة ، فعندئذ لا يمكن تطبيق حقوق الأقليات عليها، بل تكون الأكثرية أحوج منها لهذه الحقوق؛ لأن الأكثرية هي الضعيفة التي يخشى أن تفقد حقوقها بسبب تحكم الأقلية فيها. ولعل هذا ينطبق على كثير من البلدان. فينبغي الانتباه لأصل التشريع، إنما شرّع الشارع (سواء في التشريع السماوي أو الأرضي) هذه الحقوق ليضمن حق الضعيف بغض النظر كان كثيرا أو قليلا. فالقاعدة أن القوي ينبغي أن يضمن حق الضعيف.

ونقطة أخرى هي أن يكون هناك تبادل قوى بين الأكثرية والأقلية بطريقة يصعب أن تفرض الأكثرية أحكامها على الأقلية بسبب ظروف تقوي الأقلية، وتحد من سلطة الأكثرية، فلا بد من مراعاة الواقع في فرض الأحكام على أقلية لا تملك السيطرة التامة عليها، وكذلك أكثرية لا تملك الأقلية السيطرة التامة عليها. ولعل هذا موجود في كثير من الدول بسبب علاقات وولاءات بين أحزاب وكتل وأديان قليلة العدد مع من ينصرها في الخارج، أو بسبب قوة اقتصادية للأقلية تجعلها قادرة على التمرد في وجه الأكثرية كما هو الحال في سيطرة غير المسلمين على الاقتصاد في ماليزيا، أو لسبب آخر مما يضعف من إلزام الأقلية بما ينبغي أن تلتزم به. والأكثرية في هذه الحال معذورة؛ لأن المجازفة في تحدي الأقلية القوية قد لا تكون مأمونة. وإنما الحكمة في معالجة الواقع بطريقة آمنة.

وقبل الخوض في تفاصيل حقوق هذه الفئة في الإسلام، لا بد من فهم فلسفة الإسلام في إعطاء الحقوق.

فلسفة التشريع الإسلامي في منح الحقوق

إن المستقرئ لمسلك التشريع الإسلامي في منح الحقوق يلحظ أن هذا العطاء مبني على مبدأين:

1-   تكريم الإنسان. قال تعالى: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم([1]

2-   عمارة الكوكب: بمعنى أن تُمَكن هذه الحقوق والواجبات الإنسان من عمارة الأرض. قال تعالى: ]هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا[[2]

فتكريم الإنسان من الأخلاقيات التي شرعها الله سبحانه، ومن كرّمه الله لزمنا تكريمه. وهذا أول حق منحه الله لآدم في السماء، وإبليس أول من اعترض على حقوق الإنسان عندما رفض تكريم الله لآدم، وبالتالي رفض السجود له، فكان مصيره جهنم، وهي مصير أتباعه ممن لا يعرف كرامة لبني آدم.

وهذه الآية الكريمة: ]ولقد كرمنا بني آدم[ ينبغي أن تكون مرجعا في تكريم الإنسان عند جميع الخلق، فآدم أبو الجميع. وإذا كان الإنسان يُكرم لأسباب كثيرة فقد نصت هذه الآية على أن مجرد كونه إنسانا يستحق جزءا من التكريم، ولو كان يهوديا أو نصرانيا أو عدوا أو أسيرا أو امرأة أو طفلا.. إذ إن الإسلام ينظر إلى البشرية على أنها أسرة واحدة من أبوين. وأنه لا فضل لأحد على أحد إلى بالتقوى فلا عنصرية عرقية ولا أبيض وأسود، ولا رجل وامرأة، ولا غير ذلك يفرق بين الناس، إنما هو شيء واحد: تقوى الله سبحانه: قال تعالى: ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[[3].

ولتوضيح الفكرة أضرب الأمثلة الآتية:

-       كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أَيْ مِنْ أَهْلِ الذمَّةِ؛ فَقَالاَ: "إنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا"[4].

-       وقال تعالى: ]يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ[[5].

                 فهنا ذكر سبحانه النفقة على ابن السبيل من غير أن يذكر دينه أو نسبه. وجعل النفقة عليه عبادة.

-       وقد قال تعالى: ) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا(

فالأسير واضح أنه عدو، إلا أنه حصل على حقه ورعايته من الله، وليس من اعتصاماته في سجون التعذيب ولا من أي إنسان آخر.

-       حتى مع العبيد: فعن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة: قال: «كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو، إِذ جاءه قَهْرَمَان له، فدخل، فقال: أعطيتَ الرقيق قُوتَهم؟ قال: لا، قال: فَانْطَلِق فأعْطِهم، فإن رسولَ الله r قال: كفى بالمرء إِثما أن يَحْبِسَ عمن يملك قوتَه»[6].

-    وكذلك مع الأسرى: يقول أبو عَزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير: كنت في الأسرى يوم بدر فقال رسول الله r: استوصوا بالأسارى خيرا. وكنت مع رهط من الأنصار حين قفلوا فكانوا إذا قدموا طعاماً خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله r إياهم بنا، ما يقع في يد رجل منهم كِسْرة إلا نفحني بها. قال فأستحي فأردها على أحدهم فيردها عليَّ ما يمسها[7].

-     ثم عمم الرسول r الرحمة على الإنسانية فقال:" مَنْ لا يَرْحَمِ الناسَ لا يرحمه الله[8].

-     ثم تجاوز الإسلام الإنسان إلى الحيوان، فقد رأى النبيr حمارا قد وُسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي وسمه"([9]). وسئلr: ألنا في البهائم أجر؟ قال: "في كل كبد رطبة أجر"[10].

وإذا انتقلنا من العموم إلى الخصوص، لنقترب من الأقليات أكثر، نرى في القرآن الكريم والسنة النبوية ما ينصف هذه الأقليات ويحميها. فعلى مر العصور حظيت الأقليات الدينية والعرقية وغيرها في المجتمع المسلم بحقوق لم تحظَ به أقلِّيَّة أخرى في أي بلد آخر، والدليل هو وجود هذه الأقليات إلى يومنا هذا في البلاد الإسلامية، وهذا نابع من قوله تعالى:

]لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[[11].

فقد حدَّدت هذه الآية الأساس الأخلاقي والقانوني الذي يجب أن يُعامِل به المسلمون غيرهم، وهو البرُّ والقسط بشروط:

1-   عدم مقاتلتنا

2-   عدم إخراجنا من ديارنا

3-   عدم مساعدة أي عدو على إخراجنا من ديارنا.

 وهي أُسُس أخلاقية لم تعرفها البشريَّة من قبل، وقد عاشت قرونًا من الظلام بعد الإسلام تعاني من الظلم والجور وانتهاك الكرامة الإنسانية، ولا تزال إلى اليوم تعاني وستبقى ما لم تؤب إلى رشدها وربها.

 

اختلاف مصادر الحقوق بين المسلمين وغيرهم

مصادر الحقوق حسب طرح منظمات حقوق الإنسان هو المواثيق الدولية المتفق عليها.

أما المسلمون فمصادر الحقوق لديهم مقدسة؛ لكونها وحيا من عند الله سبحانه، وبالتالي هي بجانب أنها إلزامية، تكون مقدسة. وهذا يعني أنه لا يقيدها أو يخصصا أو يقدم ويؤخر فيها أو غير ذلك مما تقتضيه مصلحة الفرد والمجتمع إلا الشرع الإسلامي.

وهذه الحقوق والواجبات يراعي فيها في الإسلام:

- قصد المكلف في تطبيقها، إذ ينبغي أن يوافق قصد الشارع

- حق الجماعة مقدم على حق الفرد

- يُحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام

- الأصل في إعطاء الحق تحصيل مصالح وفي حالة الإضرار يمنع.

وأهم ما يميز الحقوق في الإسلام أنها تُمنح على سبيل المبادرة بمجرد وجود النص في الشريعة، وليس كما هو عند الآخرين بعد المظاهرات والإضرابات والمحاصرة، ومجلس الأمن ومنظمات إنسانية. ثم إن هذه المؤسسات لا يصير فيها الحق حقا ما لم يُعتمد في مواثيق، فيعاني الإنسان كثيرا ريثما يُعترف بحقه، ويعاني أكثر في تحصيله.

فمثلا: المسلمون يساوون بين الأبيض والأسود لأن الله سبحانه قال:

 ) يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ([12]

وقال الرسولr "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى"[13].

فالمساواة بين الأبيض والأسود منحة إلهية لم تكن بسبب اضطهادهم من قبل المسلمين كما حصل في بعض البلدان عندما يُكتب على أبواب المطاعم: يُمنع دخول الكلاب والسود!

وإذا كان أوباما رغم لونه قد حكم أمريكا فما هذا إلا بعد نضال مرير من السود، بينما منح الإسلام هذا الحق للأسود قبل 1400 سنة من غير نضال من السّود، بل صار حقا ودستورا بمجرد قول رسول اللهr: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ولو لحَبَشِي كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ"[14].

وللبعض أن يتساءل: لماذا مصادر الحقوق عندنا دينية؟ أليس هذا من التخلف؟

 والجواب أن الإسلام جاء بتشريع متكامل لهذا الكوكب، وهذا من ضروريات كون الرسالة الإسلامية عالمية، ولكونه عادلا منصفا مشرّفا. وكان هذا مدعاة للحفاظ على الحقوق، وعدم ضياعها بتلاعب الأشخاص، فجعلها الله سبحانه وحيا، مما أعطى الحقوق حصانة من التغيير والتبديل والإلغاء أو أي عملية التفاف عليها.

بينما لم تستند الحقوق عند الآخرين لدين ما، بسبب خلو تلك الديانات على اختلافها من التشريعات؛ لأنها لم تأت مصممة للعالمين كما هو معلوم. وبالتالي لا يوجد حصانة لتلك الحقوق من التغيير أو الإلغاء كما يرتئي المجتمعون. بل زاد الأمر عن كون تلك الديانات خالية من التشريعات إلى وجود أدبيات مخالفة ومتعارضة مع حقوق الإنسان فلا يمكن أن ترفع رأس المنتمين إليها وهذا ما سيتضح قريبا.

ومن جهة أخرى فالسبب في كون مصادر الحقوق في المجتمع الإسلامي دينية ومرجعية القانون الإسلام؛ هو أن المسلم في مجتمعه يحكمه الإسلام بكافة تصرفاته وهذا من عقيدته وشريعته، ولا بد أن يكون منضويا تحت تشريعه. بينما الآخر ليس لديه تشريع ينضوي تحته.. وليس ظلما للآخر أن تكون لنا مرجعيتنا الإسلامية، فكما أن من لا تشريع ديني له جعل مرجعيته ما استخرجته عقول من كتب القوانين والدساتير، ومع ذلك يلتزم بها المسلم في بلادهم، فمن باب أولى أن يلتزم من هو في بلاد المسلمين بمرجعيتهم وهي لا شك أعدل وأضمن وأقوى.

وإذا كان التشريع الإسلامي منسجما وسباقا إلى حقوق الإنسان، فنريد أن نرى لمحة عن مدى انسجام دين الغرب مع هذه الحقوق:

 

مدى انسجام الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) مع حقوق الإنسان

إن المطالع على الكتاب المقدس يصطدم من هول ما يرى من انتهاكات حقوق الإنسان بشكل يصد النفس البشرية مهما كان حالها وثقافتها.. وللتمثيل أقتبس المقاطع الآتية:

1-   إتلاف ممتلكات الآخرين

جاء في التوراة[15]: "و ذهب شمشون و أمسك ثلاث مئة ابن آوى و أخذ مشاعل و جعل ذنبا إلى ذنب، و وضع مشعلا بين كل ذنبين في الوسط. ثم أضرم المشاعل نارا و أطلقها بين زروع الفلسطينيين فأحرق الأكداس و الزرع و كروم الزيتون"[16].

 

2-   إبادة الشعوب

" متى قرض الربّ إلهك الأمم الذين الرب إلهك يعطيك أرضهم وورثتهم وسكنت مدنهم وبيوتهم... وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما. بل تحرّمها تحريما الحثيين والأموريين والكنعانيين والفِرِزّيّين والحِوّيّين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك"([17]). واضح أن إلههم ـ كما يصورونه ـ لا يقبل بالتعايش بين شعبه بني إسرائيل وغيرهم. وأنه لا بدّ من إبادة السكان الأصليين (العرب).

 

3-   قتل الأطفال

" فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف و رؤساء المئات القادمين من جند الحرب. وقال لهم موسى: هل أبقيتم كل أنثى حيّة؟... فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال "([18]).

والغريب أن يصبح موسى ـ من خلال العرض التوراتي ـ فرعونا آخر في فلسطين يقتل الذكور كما فُعل به وبقومه فرعون مصر، فالمسألة تبادل أدوار في المنظور الإسرائيلي، وهكذا اليهود الصهاينة اليوم مع الفلسطينيين.

 

4-   التهجير القسري

وفي نص آخر يأمر بتطهير الأرض من أهلها _ من بقي منهم حيا _؛ لأن التعايش مع الغير مستحيل. وهاهو إلههم مرة ثانية وأثناء عبور الجيش الإسرائيلي نهر الأردن لمتابعة القتال لأجل امتلاك الأرض التي يدّعون أن إلههم قد ملكهم إياها، يطلب الرب من موسى أن يخبر بني إسرائيل:

" وقل لهم: إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم... وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكا في أعينكم ومناخسَ في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها. فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم "([19]).

إذًا إن لم يطرد اليهود السكان العرب الأصليين سيغضب إلههم ويعذبهم، ولا مفر من طرد الجميع بعد إعمال السيف بالرجال والأطفال.

 

5-   الإبادة الجماعية وإتلاف كل الممتلكات حتى الحيوانات

إن كل تلك المجازر الوحشية لم تفرّغ حقد إلههم ـ كما يصورونه ـ فيتبنى سياسة الأرض المحروقة! ويصدر أوامره الصارمة الساحقة الماحقة بناء على ذلك قائلا: " فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحدّ السيف وتُحرّمها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف. تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك فتكون تلاّ إلى الأبد لا تُبنى بعد. ولا يلتصق بيدك شيء من المُحرّم. لكي يرجع الرب من حموّ غضبه ويعطيك رحمة. يرحمك ويكثّرك كما حلف لآبائك "([20]).

فالرب لا يرحمهم إلا إذا كانوا وحوشا والغين بدماء الأطفال والبهائم، وحارقين لكل الممتلكات التي تصادفهم!!.

 

ويبدو أن اليهود اليوم لم يتغيروا في شيء بعد تشريعات حقوق الإنسان ، فهذه جولدا مائير تصرح لجريدة صنداي تايمز اللندنية في 15 يونيو 1969م قائلة: لا وجود للفلسطينيين. وليست المسألة أننا أتينا وطردناهم وأخذنا بلادهم، لا، إنهم لم يوجدوا أصلا.

وعندما وُجه السؤال إلى وايزمان ـ وكان من قادة المنظمة الصهيونية العالمية ـ عن مصير العرب إذا ما أعطيت فلسطين لليهود؟ ردّ بقوله: من هم أولئك العرب؟ إنهم لا شيء تقريبا([21])!.

ولننظر إلى التطبيق النصراني الصليبي للتوراة على الأرض:

 

تطبيقات النصارى الصليبيين في بيت المقدس:

لن أتحدث عن النصارى وأفاعيلهم في بيت المقدس، وإنما سأتركهم يتحدثون عن أنفسهم:

يقول المؤرخ الصليبي الذي حضر الحروب الصليبية ريمونداجيل: سفك تانكرد وجودفري في المقدمة كمية لا تصدق من الدماء، وأنزل زملاؤهما الذين كانوا في أعقابهم آلامًا شديدة بالمسلمين.. فقد قطعت رءوس بعض المسلمين بلا رحمة، بينما اخترقت الآخرين الأسهم الموجهة من الأبراج، بينما عُذّب آخرون لوقت طويل، وأحرقوا حتى الموت في اللهب المتأجج، وتكدست في الطرقات والبيوت الرؤوس والأيدي والأقدام، وفعلاً فقد كان الفرسان والرجال يجرون جيئة وذهابا فوق الجثث([22]).

ويقول جوستاف لوبون: كان قومنا يجوبون كاللبوات التي خُطفت صغارها الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، فكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إربًا إربًا، وكانوا لا يستبقون إنسانًا، وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة.. وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعًا ذهبية، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث... ثم أحضر بوهيموند جميع الذين اعتقلهم في برج القصر، فأمر بضرب رقاب عجائزهم وشيوخهم وضعافهم، وبسوق فتياتهم وكهولهم إلى أنطاكية ليباعوا فيها..

لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، فكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهنالك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها، فإذا ما اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها، وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلا بمشقة..

وأراد الصليبيون أن يستريحوا من عناء تذبيح أهالي القدس قاطبة، فانهمكوا في كل ما يستقذره الإنسان من ضروب السكر والعربدة([23]).

وأما جرائمهم في عصرنا فلا تخفى على المتابع في فلسطين والعراق وروسيا وغيرهم من الديانات: في الصين والهند وبورما.. والمسلسل طويل، والصورة تتضح بمراجعة أي كتاب عن حاضر العالم الإسلامي.

 

6-   التمييز ضد المرأة

نجد في التراث الديني الغربي ـ حسب عقيدة القوم ـ أن المرأة شرّ كلها؛ بسبب تعاون حواء مع الشيطان في إغراء آدم بالأكل من الشجرة.

" ففي القرن الخامس الميلادي اجتمع مجمع "ماكون" للبحث في المسألة الآتية: هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه؟ أم لها روح؟. وأخيرا قرروا أنها خلو من الروح الناجية (من عذاب جهنم)! ما عدا أم المسيح....

- ومن الطريف أن القانون الإنكليزي حتى عام 1805م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد الثمن بستة بنسات "([24]). بينما في الإسلام قبل 1400 سنة قال الرسولr: النساء شقائق الرجال[25].

وفي التوراة ـ تُعدّ المرأة لعنة شريرة:

 ففي سفر الجامعة 7/28 يقول الجامعة ابن داود u: "وَجَدْتُ (صِدِّيقاً) وَاحِداً بَيْنَ أَلْفِ رَجُلٍ، وَعَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ (صِدِّيقَةٍ) بَيْنَ كل أولئك لَمْ أَعْثُرْ".

وهذه التعاليم أثرت كثيرا على واقع المرأة في الغرب فعندما " قامت الثورة الفرنسية (نهاية القرن الثامن عشر)، وأعلنت تحرير الإنسان من العبودية، لم تشمل بحنوها المرأة؛ فنص القانون المدني الفرنسي على أنها ليست أهلا للتعاقد دون رضا وليها إن كانت غير متزوجة، وقد جاء النص فيه على أن القاصرين هم: الصبي والمجنون والمرأة.. واستمر ذلك حتى عام 1938"([26]).

-       وفي الإنجيل يرفض عيسى معالجة ابنة امرأة؛ لأن المرأة كانت عربية سورية، وليست من بني إسرائيل، ثم عالجها قياسا على الكلاب التي تأكل الفتات:

"ثم قام من هناك و مضى إلى تخوم صور و صيدا و دخل بيتا و هو يريد أن لا يعلم احد فلم يقدر أن يختفي؛ لأن امرأة كان بابنتها روح نجس سمعت به فأتت و خرت عند قدميه، و كانت المرأة أممية و في جنسها فينيقية سورية، فسألته أن يخرج الشيطان من ابنتها. و أما يسوع فقال لها دعي البنين أولا يشبعون لأنه ليس حسنا ان يؤخذ خبز البنين و يطرح للكلاب، فأجابت و قالت له نعم يا سيد و الكلاب أيضا تحت المائدة تأكل من فتات البنين. فقال لها لأجل هذه الكلمة اذهبي قد خرج الشيطان من ابنتك"[27].

إن هذا التضارب والتناقض بين الكتاب المقدس وحقوق الإنسان هو الذي جعل الغرب يثور على الدين، وكان شعار الثورة الفرنسية: اشنقوا آخر قسيس بأمعاء آخر ملك. إلا أن الغرب مع الأسف لعله استطاع تحقيق بعض الحقوق لنفسه ، لكنه لا يزال يحقد ويستغل ويستعبد الطرف الثاني.

 

حقوق الأقليات حسب المواثيق الدولية

تنّص المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه:

"لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم. 

ووفقا لخبير الأمم المتحدة المستقل المعني بقضايا الأقليات، هناك أربعة التزامات عامة يجب أن تأخذها الدولة على عاتقها من أجل احترام حقوق الأقليات وضمانها:

1-   حماية وجود الأقليات، من خلال حماية سلامتهم البدنية ومنع الإبادة الجماعية.

2-   حماية وتعزيز الهوية الثقافية والاجتماعية، بما في ذلك حق الأفراد في اختيار أي من الجماعات العرقية أو اللغوية أو الدينية يرغبون أن يعرّفون بها، وحق هذه الجماعات في تأكيد هويتهم الجماعية وحمايتها ورفض الاستيعاب القسري.

3-   ضمان فعالية عدم التمييز والمساواة

4-   ضمان مشاركة أفراد الأقليات الفعّالة في الحياة العامة، ولا سيما فيما يخص القرارات التي تؤثر عليهم"[28].

 

حقوق الأقليات في الشريعة الإسلامية

 

الشريعة الإسلامية كغيرها من الشرائع لا تعرف مصطلح (أقليات) ، نظرا لحداثة المصطلح، إلا أنها رائدة في مجال إعطاء وحماية الحقوق لكل ذي حق. ومن ذلك الأقليات غير الإسلامية في الدولة الإسلامية.

والمصطلح الفقهي الذي يمكن أن يعبر عن الأقليات هو: (أهل الذمة).

والذمة في اللغة: الأمان والعهد، فأهل الذمة أهل العهد، والذمي: هو المعاهد، نسبة إلى الذمة، أي العهد من الإمام - أو ممن ينوب عنه - بالأمن على نفسه وماله نظير التزامه الجزية ونفوذ أحكام الإسلام[29]. وأهل الذمة قد يكونون من أهل الكتاب، وقد يكونون من غيرهم كالمجوس.

وينعقد عقد الذمة بإيجاب وقبول باللفظ، أو ما يقوم مقامه، ولا تشترط كتابته كما هو الشأن في سائر العقود[30]. ويشترط في العقد على الذمي التزام أحكام الإسلام في غير العبادات، كحقوق الآدميين في المعاملات وغرامة المتلفات[31].

 

حقوق أهل الذمة (الأقليات)

القاعدة المعتمدة عند الفقهاء بما يخص أهل الذمة هي: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، وقد تختلف عبارات المذاهب في التعبير عن هذه القاعدة، إلا أن مفهومها واحد عند المذاهب الأربعة[32]. ويؤيدها بعض الآثار عن السلف، فقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إنما قبلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا.

وقاعدة: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) كلمة عظيمة تتسع لحقوق يصعب حصرها، ومن أهمها:

 

أولا - حماية الدولة لهم ولأملاكهم وأعراضهم

يُعدّ أهل الذمة من أهل دار الإسلام؛ لأن المسلمين حين أعطوهم الذمة فقد التزموا دفع الظلم عنهم والمحافظة عليهم، وصاروا أهل دار الإسلام، كما صرح الفقهاء بذلك[33].

وعلى ذلك فلأهل الذمة حق الإقامة آمنين مطمئنين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وعلى الإمام حمايتهم من كل من أراد بهم سوءا من المسلمين أو أهل الحرب أو أهل الذمة؛ لأن التزامهم بالعهد حفظهم من الاعتداء عليهم، فيجب عليه الذب عنهم، ومنع من يقصدهم بالأذى من المسلمين أو الكفار، واستنقاذ من أسر منهم، واسترجاع ما أخذ من أموالهم، سواء كانوا مع المسلمين أم منفردين عنهم في بلد لهم؛ لأنهم بذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم[34].

عن أبي هريرةt قال: قال رسول الله r: «المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن: من أمِنَهُ الناسُ على دمائهم وأموالهم»[35].

فكلمة: (أمنه الناس): شاملة للمسلم وللمعاهد من أهل الذمة ومن غيرهم.

 

ثانيا: العدل معهم وتجنب ظلمهم

وهذا من مقتضيات عقد الذمة الذي تم الاتفاق عليه معهم، فلا يظلمون ولا يؤذون، قال النبي r: ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة[36].

بل إن الفقهاء صرحوا في حال نشبت حرب مع المسلمين أدت إلى أن يسبي الأعداء أهل الذمة ، ثم عادت الكرة للمسلمين وانتصروا على عدوهم واستعادوا أهل الذمة ، فلا يجوز عندها استرقاقهم، ويرجعون إلى ذمتهم كما كانت ، كما قال صاحب المغني: لأن ذمتهم باقية، ولم يوجد منهم ما ينقضها، وحكم أموالهم حكم أموال المسلمين في حرمتها[37].

وأروع من ذلك كفالة الدولة الإسلامية لمن عجز عن التكسب من أهل الذمة ، فيتكفل بنفقاته بيت مال المسلمين؛ لأنه من رعيتها. وقد قال الرسولr: « كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّ رَاعٍ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ »[38]. فهم من رعايا الحاكم مثل المسلمين.

وقد شهد بهذا العدل من أنصف الإسلام من الغربيين، يقول أحد المؤرخين الغربيين عن الوثيقة العمرية لأهل بيت المقدس:

يجب أن نعترف بأن إعلانًا كهذا في بداية القرن الوسيط ـ وقد التزمت به كل الجيوش الإسلامية بعامة ـ هو إعلان حافل بالإنصاف، فهو يتنفس عدالة وتسامحًا. وما استطاع أباطرة بيزنطة ولا أساقفة الكنيسة أن يعبروا مطلقًا عن مشاعر من هذا القبيل باسم ذلك الذي دعاهم إلى دين الحب (أي المسيح)([39]).

ويقول الحاخام الإيطالي إبراهام الذي زار القدس في مارس سنة 1488، ثم استقر حتى صار رئيسًا للطائفة اليهودية في فلسطين، يقول: اليهود ليسوا مضطهدين عند العرب، ولقد سافرت في جميع أنحاء فلسطين طولاً وعرضًا، لم يعترض طريقي أحد، ولم يمنعني أحد من التجول في أية بقعة أريدها؛ لأن الفلسطينيين لطفاء وكرماء مع الأغراب، وخصوصًا الذين لا يعرفون لغتهم. وإذا ما رأوا اليهود مجتمعين فإنهم لا يتأثرون لذلك ولا ينزعجون. حتى إنه لو قدر لأحد اليهود أن يبرز في العلوم، فمن السهل عليه أن يحتل مركزًا مرموقًا بين العرب، وقد يصبح رئيسًا لليهود والعرب في مجال العلوم([40]).

ولنأخذ مثالا عمليا حول عدل المسلمين مع النصارى الذين احتلوا بيت المقدس وأسرفوا في القتل والعربدة:

وسأستشهد كذلك بأقوال الغربيين، فكما يقولون: (والحق ما شهدت به الأعداء). قال المؤرخ الإنجليزي (رانسمان) من مؤرخي الحروب الصليبية في كتابه: (تاريخ الحروب الصليبية) الجزء الثاني، عند كلامه عن سقوط بيت المقدس وعن موقف صلاح الدين وجيشه من سكان المدينة: " كان المنتصرون معقولين وإنسانيين، بينما خاض الفرنج عند استيلائهم على المدينة منذ ثمانية وثمانين عاما في دماء ضحاياهم، نجد في هذه المرة أنه ما من بناء نهب وما من إنسان أصابه أذى، وقد أمر صلاح الدين الحراس أن يحرسوا الطرق والأبواب، ويمنعوا أي اعتداء قد يصيب المسيحيين.

وقال في نفس الصفحة: " وتقدم نساء الفرنج اللاتي افتدين أنفسهن إلى صلاح الدين، والدموع تملأ عيونهن، وسألنه في استرحام: أين يستطعن الذهاب فقد قتل أزواجهن أو آباؤهن أو وقعوا في الأسر؟ فكان جواب صلاح الدين أن وعدهن بأن يطلق سراح كل زوج أسير، أما الأرامل واليتامى فقد أعطاهم منحة تتناسب مع مكانتهن من حُرّ ماله، لقد كان عطفه وعفوه مباينا مباينة واضحة لأفعال المسيحيين الغزاة في الحملة الصليبية الأولى "([41]).

هذه المواقف ليست غريبة، فهي ترجمة للرحمة العالمية التي جاء بها التشريع الإسلامي الحنيف.

 

ثالثا: للذمي حق المواطنة

وهذا مفهوم ومستنبط من خلال وثيقة المدينة (الدستور الذي خطه الرسول r بعد قدومه المدينة) التي كانت بمثابة دستور لدولة الرسول r في المدينة، وطبقا لها نشأت علاقة انتماء جديدة. بين المسلمين والمشركين واليهود، توزع الحقوق والواجبات واللوائح على الجميع[42].

                                         

رابعا: حماية هويتهم الشخصية بما في ذلك دينهم ودور عباداتهم

سبق أن بينت اتفاق العلماء على أن مقتضى عقد الذمة عدم التعرض للذميين بسوء سواء لأشخاصهم أو لبيوت عباداتهم. فعقد الذمة إقرار الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الإسلام، وبقوله تعالى: ] لا إكراه في الدين[، بل إن الإسلام لا يعترف بإسلام من أسلم مكرها، كما أنه لا يعترف بكفر من كفر مكرها.

وقد كتب الرسول r لأهل نجران: ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد رسول الله على أموالهم وملتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم[43] وهذا الأصل متفق عليه بين الفقهاء

وفي حوار مع بطريرك الكلدان في العراق وسائر العالم البطريرك لويس ساكو قال: الإسلام يحمي حقوق الأقليات ولا يسلبهم إياها[44].

 

خامسا: تمكينهم من التعبد حسب طريقتهم دون تمييز عن المسلمين

 

الأصل في أهل الذمة تركهم وما يدينون، فيقرون على الكفر وعقائدهم وأعمالهم التي يعتبرونها من أمور دينهم، كضرب الناقوس خفيفا في داخل معابدهم، وقراءة التوراة والإنجيل فيما بينهم، ولا يمنعون من ارتكاب المعاصي التي يعتقدون بجوازها، كشرب الخمر، واتخاذ الخنازير وبيعها، أو الأكل والشرب في نهار رمضان، وغير ذلك فيما بينهم، أو إذا انفردوا بقرية. ويشترط في جميع هذا ألا يظهروها ولا يجهروا بها بين المسلمين، وإلا منعوا وعزروا، وهذا باتفاق المذاهب، فقد جاء في شروط أهل الذمة لعبد الرحمن بن غنم: " ألا نضرب ناقوسا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا، ولا نظهر صليبا ولا كتابا في سوق المسلمين " إلخ[45].

 

سادسا: عدم التمييز في المعاملات المالية مع أهل الذمة:

القاعدة العامة أن أهل الذمة في المعاملات كالبيوع والإجارة وسائر التصرفات المالية كالمسلمين (إلا ما استثني من المعاملة بالخمر والخنزير). وذلك لأن الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات المالية، فيصح منهم البيع والإجارة والمضاربة والمزارعة ونحوها من العقود والتصرفات التي تصح من المسلمين.

قال الجصاص من الحنفية: إن الذميين في المعاملات والتجارات كالبيوع وسائر التصرفات كالمسلمين[46]، ومثله ما قاله الإمام السرخسي في المبسوط، وصرح به الكاساني في البدائع حيث قال: كل ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذمة، وما يبطل أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل ويفسد من بيوعهم، إلا الخمر والخنزير[47].

 

سابعا: مشاركتهم في الجيش

ذهب الحنفية، والحنابلة في الصحيح من المذهب، والشافعية ما عدا ابن المنذر، وابن حبيب من المالكية، وهو رواية عن الإمام مالك إلى: جواز الاستعانة بأهل الكتاب في القتال عند الحاجة[48]. لما روي أن النبي r: استعان في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك[49].

وصرح الشافعية والحنابلة بأنه يشترط أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين ويأمن خيانتهم، فإن كانوا غير مأمونين لم تجز الاستعانة بهم؛ لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف، فالكافر أولى[50].

 

ثامنا: المشاركة في صناعة القرار

يقول الأستاذ محمد عبده: عرف خلفاء المسلمين وملوكهم في كل زمن ما لبعض أهل الكتاب بل وغيرهم من المهارة في كثير من الأعمال، فاستخدموهم وصعدوا بهم إلى أعلى المناصب، حتى كان منهم من تولى قيادة الجيش في أسبانيا. واشتهرت حرية الأديان في بلاد الإسلام حتى هجر اليهود أوربا فرارا منها بدينهم إلى بلاد الأندلس وغيرها. هذا ما كان من أمر المسلمين في معاملتهم لمن أظلوهم بسيوفهم، لم يفعلوا شيئا سوى أنهم حملوا إلى أولئك الأقوام كتاب الله وشريعته، وألقوا بذلك بين أيديهم وتركوا الخيار لهم في القبول وعدمه([51]).

وكذلك يستشارون ويسألون عما يفيد من خبرتهم، فقد قال تعالى: ] فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[[52].

 

الجزية بدل الجندية

قبل الختام لا بد من مناقشة مسألة الجزية، فقد ذُكرت في البحث أكثر من مرة، ومعلوم أن كثيرا من الناس من أبناء جلدتنا ومن غيرهم يتحسس من فرض الجزية، وهذا بسبب سوء فهمهم لهذا المسألة، ويظنون أن الإسلام ابتدعها، وليتهم علموا أن الكوكب كان يتعامل بها من قبل الإسلام ولو بغير اسمها، وهذا معروف بمطالعة أي كتاب تاريخ.. وإنما كان دور الإسلام بتهذيبها وجعلها منطقية، إلى درجة أنها تكاد تكون رمزية، وجعلها مقابل حماية أهل الذمة ـ كما مر سابقاـ لأنهم عادة لا يقاتلون، وهم تحت حماية المسلمين.

ولذلك يرى العلماء أن أهل الذمة إذا انضموا للجيش كما هو في الدول الحديثة فلا تؤخذ منهم الجزية، وهذا ما كان عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم. وهذه بعض الأمثلة:

-       بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هَذَا كِتَابٌ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِصَلُوبَا بْنِ نسطونَا وَقَوْمِهِ، إِنِّي عَاهَدْتُكُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْمَنْعَةِ، ... فَلَكَ الذِّمَّةُ وَالْمَنْعَةُ، فَإِنْ مَنَعْنَاكُمْ فَلَنَا الْجِزْيَةُ، وَإِلا فلا حَتَّى نَمْنَعَكُمْ[53].

 

-       وكتب عتبة بينه وبين أهل أذربيجان كتابا:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

هذا ما أعطى عتبة بْن فرقد، عامل عمر بْن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان- سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها- كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس على صبي ولا امرأة ولا زمن ليس في يديه شيء من الدنيا، ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء... ومن حشر منهم في سنة وضع عنه جزاء تلك السنة[54].

وحال البلاد الإسلامية الآن قائم على المشاركة في الجيش، وبالتالي لا تؤخذ الجزية ممن شارك. وهذا ما رجحه الدكتور عبد الكريم زيدان[55].

 

وفي الختام أقول:

ولد الإسلام مصمما لاستيعاب البشرية بكافة أطيافها العرقية والدينية، وهذه المهمة لا يستطيع عليها غيره؛ لذلك استوعب أديان البشرية بقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). واستوعب أجناسها بقوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[, ترجم هذا الرسولr بقوله: " يا أيها الناس! إن ربكم واحد و إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي و لا أحمر على أسود، و لا أسود على أحمر إلا بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فيبلغ الشاهد الغائب"[56].

وقد عاشت الأقليات عند المسلمين ولا تزال منذ 1400 سنة، وعاشت عند غيرهم. والمنصف الذي يعدل كيف كان حالهم في دار الإسلام؟ وكيف هو في غيرها؟

 

أضف تعليق

نص اتفاقية التعليق


كود امني
تحديث



المرئيات

الصوتيات

ألبوم الصور

تداعت عليكم الأمم