بنود الموقع
عضوية الموقع

احصائيات الموقع

عدد الزوار   
685
عدد الصفحات   
52
عدد الزيارات   
195580


جديد الموقع: الفاضحة !!
جديد الموقع: عجبا رأيت !!
جديد الموقع: سَذاجَةُ فراشَة
جديد الموقع: عبرة لأولي النُّهى

الأبحاث العلمية

معنى : (كتب الله لكم)

.
نشر بتاريخ السبت, 13 أيلول/سبتمبر 2014 03:08

معنى: )كَتَبَ اللَّهُ لَكُمفي قوله تعالى:

]ياقوم ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنْقلبوا خاسِرينَ[[المائدة:21]

ومدى انطباقه على يهود اليوم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

وبعد،

 

فإن أرض فلسطين ـ بما حباها الله من قداسة وبركة ـ تتنازعها الأديان السماوية من قديم الزمان، وتتقاتل الأمم على تملكها، وكلٌ يدعي أنه الأولى بها، وكلٌ يرى أن الله خصّهُ بها! ولكل من هذه الأديان والأمم أدلة على ما يقول.

ونحن في هذا البحث، إنما ندرس جزءا جوهريا مما يدور عليه الشجار، وهو ثلاث كلمات وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى، قد يرى فيها البعض متكأ لمدع يهودي يطالب بأرض فلسطين! مستدلا على ذلك بكتاب الله سبحانه القرآن الكريم.

لذلك كان لا بد من تسليط الضوء على هذه الكلمات في بحث مستقل؛ لتأخذ حقها من البحث والدراسة؛ وليكون هذا البحث المتجرد لبنة في بناء الحقيقة حول الأرض المقدسة.

وقد قسمت البحث إلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: معنى: ) كَتَبَ اللَّهُ(

المبحث الثاني: المخاطب بـ: )لكم(

المبحث الثالث: استحقاق الأرض لا يكون بالنسب وإنما بالطاعة

 

وتحت كل مبحث عناوين تخدمه مدْرجة في فهرس المحتويات.

 

 

ملخص البحث

يدرس هذا البحث من خلال منهج وصْفِي تحليلي، ثلاث كلمات من الآية القرآنية التي تحدثت عن الأرض المقدسة، مكتوبة لقوم موسىu، ويأتي بالأدلة من القرآن الكريم والتوراة وأقوال العلماء في هذا الشأن، ويتعامل مع النصوص من خلال دراسة تحليلية، تحاول وضع الكلمات القرآنية في موضعها الذي ينبغي أن توضع فيه، بهدف الوصول إلى المعنى المراد منها ، وتحديد من له الأولوية فيها على سبيل الامتلاك، أو المشاركة في السكنى، أو الوراثة، أو غير ذلك.

كما يدرس البحث الملابسات التي قيلت فيها هذه الآية القرآنية، والضوابط والشروط التي لا غنى عنها لمن أراد تحديد فهم المراد منها، وبالتالي تحديد من هو الأولى بهذه الأرض المقدسة.

المبحث الأول: معنى قوله تعالى: )كَتَبَ اللَّهُ(

معنى: )كَتَبَ( في اللغة

كتبَ: من باب: (نصَرَ): الكاف والتاء والباء: أصلٌ صحيح واحد يدلُّ على جمع شيءٍ إلى شيءٍ. والكتابة: جمع الحروف المنظومة وتأليفها بالقلم، ومنه الكتابُ: لجمْعه أبوابه، وفصوله، ومسائله. والكتيبة: للقطعة من الجيش؛ لاجتماعهم وانضمام بعضهم إلى بعض.

ويقال: كتبتُ الكتابَ أكْتبه كَتْبا. بمعنى: أخطّه. والكِتابُ: ما يُكْتَبُ فيه، والدَّواةُ، والتَّوْراةُ، والصَّحيفةُ، والفَرْضُ، والحُكْمُ، والقَدَرُ. قال الله تعالى: )كُتِبَ علَيْكُمُ الصِّيَامُ(([1])، ويقال للحُكْم: الكتاب. قال تعالى: )يَتْلُو صُحُفا مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ(([2])، أي أحكامٌ مستقيمة. ويقال للقَدَر: الكِتاب([3]).

إعراب الكلمات

كَتَبَ: فعل ماض.

اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع. وجملة: )كتب اللّه( صلة الموصول.

لَكُمْ: جار ومجرور متعلقان بكتب([4]).

المعنى الاصطلاحي لكلمة: )كَتَبَ(

من حيث الأحكام فإن كلمة: )كَتَبَ(عند الأصوليين تعدّ نصا في الوجوب والفرضية، إذ الأمر الشرعي يرد بأحد سبيلين:

الأول: الإنشاء: وهذا يكون بفعل الأمر المفرد، كقولنا: إفعل. أو بالجمع: إفعلوا. ومنه قوله تعالى: )وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة(.

والثاني: الإخبار: كأن يقول الشارع الكريم: فرضَ، أو كتبَ، أو حُرّمَ. ومنه قوله تعالى: )كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ(، وقوله تعالى: )قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ(. ولا طريق لورود الأوامر الشرعية الواجبة إلا على هذين السبيلين([5]).

أخلص من هذا إلى نتيجة وهي أن )كتب( عند الأصوليين بمعنى: (أمر) تفيد الفرض، فهي إخبار بمعنى الإنشاء.

إلا أنها عند المفسرين ـ وهذا صلب الموضوع ـ لها معان أوسع، حسب ورودها في النص القرآني، ولا أنوي الخوض في كل معانيها حتى لا أخرج عن الموضوع، وإنما سأذكر ما البحث بصدده، وهو قوله تعالى على لسان موسىu لقومه: )كَتَبَ اللَّهُ لَكُم(، الوارد في قوله تعالى:  ]ياقوم ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرينَ[([6]).

فقد وجدت للعلماء فيه أقوالا تتنوع أحيانا، وتختلف أحيانا أخرى، والسبب في ذلك أن الله جلت عظمته، عندما قال: )كَتَبَ اللَّهُ لَكُم(، لم يقل على وجه التفصيل والوضوح التام ما الذي كتبه؛ هل التمليك، أم القضاء، أم الدخول، أم التوريث، أم الهبة، أم غير ذلك؛ مما جعل العقول تقدر معان كثيرة لكلمة: )كَتَبَ(.

وقد أجمل ابن الجوزي وبعض المفسرين أقوال العلماء في معنى: )كتبَ( في الآية الكريمة بثلاثة أقوال:

1- بمعنى: أمَرَكم، وفرض عليكم دخولها، قاله: ابن عباس، والسّدّي.

2- بمعنى: وهبها الله لكم، قاله: محمد بن إِسحاق. وقال ابن قتيبة: جعلها لكم.

3- بمعنى: كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكنكم([7]).

إلا أنني أفضل التفصيل في بعض هذه الأقوال، لنرى عبارات المفسرين أنفسهم لمزيد من الدقة، لما لهذا الموضوع من حساسية على أرض الواقع في أيامنا، فأقول:

إن القول الأول مما ذكره ابن الجوزي قال به غير من ذكر: القرطبي، والإبياري بألفاظ توضح المقصود أكثر: )كَتَبَ اللهُ(: فرض دخولها عليكم، ووعدكم دخولها وسكناها([8]).

والقول الثالث قال به: الطبري، والبغوي، وأبو حيان، وأبو السعود وعبارتهم: )كَتَبَ اللهُ(: أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ومنازل. وزاد الطبري: دون الجبابرة التي فيها([9]).

وهناك أقوال أخرى تحوم حول هذا المعنى، منها:

- قول ابن عطية، وابن جزي، وأبي عبيدة: )كَتَبَ اللهُ(: في قضائه وقدره أنها لكم ترثونها وتسكنونها. وزاد ابن عطية: مالكين لها([10]).

- قول أبي حيان، والزمخشري والشوكاني: )كَتَبَ اللَّهُ لَكُم(: قسمها، وسماها([11]).

وسأناقش هذه الأقوال حسب الترتيب العكسي فأبدأ من آخر ما ذُكر، وهو:

1-  قول أبي حيان ومن معه، فأقول: إن قسمة الأرض قد تمت بقوله تعالى: )لكم(، ولذلك سميت بأنها الأرض المقدسة، ولولا أنها قسمت لما أمكن أن تسمى. إلا أن مجرد قسمة الأرض وتسميتها لا يعني دخول الأرض وسكناها! وكلا الأمرين كلف الله به قوم موسىu، كما سيتضح أكثر في نهاية المناقشة.

2-     قول ابن عطية ومن معه، فأقول: لا شك أن الله قد قضى وقدر أن الأرض المقدسة لهم، كما أن الله سبحانه قد قضى وقدر كونيا أعمال البشر من خير وشر، ومع هذا لم يُنزّل من قضائة وقدره سبحانه على هيئة أوامر ونواهٍ شرعية إلا القليل، وكون الله سبحانه قضى وقدر الأرض لهم، لا يعني تكليفهم بدخولها عنوة وجهادا، أو سكناها، والذي رجح استبعاد هذا القول أكثر أنهم قالوا: إن الله قضى وقدر أن يرثوا الأرض! ومعلوم أن الوراثة تكون عن ملك سابق، وتكون على صيغة التمليك النهائي، وتكون بغير جهاد وقتال. والحال أن القوم قد طُلب منهم الجهاد والقتال ودخول الأرض وسكناها عنوة. ويدخل فيما أقول، القول الثاني مما ذكره ابن جوزي من لفظ: (الهبة و الجعل) المفيدان للتمليك.

3-  وهو قول الطبري ومن معه: فقد فسر: )كَتَبَ( في الآية الكريمة بالكتابة في اللوح المحفوظ، وهو تفسير لها بالمشهور من لغة العرب وهذا أصل عنده في التفسير([12])، وجَعْل الكتابة في اللوح المحفوظ، أدخلها في القضاء والقدر؛ وكأنه أراد أن يجمع بين اللغة والشرع في تفسير الكلمة.

ومناقشة هذا الرأي لا تبعد كثيرا عما ذكرت في القول السابق، فكل شيء مثبت في اللوح المحفوظ من خير وشر، وهذا لا يعني تكليفا ما لم يتحول إلى أوامر ونواهٍ. والغريب فيما زاده الطبري من قوله: "دون الجبابرة التي فيها". وهذه زيادة على نص الآية الكريمة لا دليل عليها. فدخول الأرض وسكناها وكتابتها لهم لا يفيد قطعا الحصر والقصر، والآية الكريمة خالية من مما يدل على حصر السكنى بمن كتبت له، ومعلوم أنها كانت مسكونة من قبل، وبقيت مسكونة بمن كان فيها، مع من دخلها من بعد! وما يزيد هذا الرأي غرابة أنه متفق مع ما في التوراة حيث يطلب الرب من موسى أن يخبر بني إسرائيل: " وقل لهم: إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم ... وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكا في أعينكم ومناخسَ في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها . فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم "([13]). وبالتالي لا يبعُد أن تكون هذه الإضافة من تأثير الإسرائيليات والله أعلم.

4-  وهو قول القرطبي ومن معه: لقد كان القرطبي في رأيه دقيقًا جدًا، وملتزما جانب السلامة؛ لأنه حاول أن يفسر القرآن بالقرآن. ففي هذه الآية خاطبهم سبحانه بكلمة: )ادْخُلُوا( فقال: )ياقوم ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرينَ[([14]).

فأخذ القرطبي من فعل الأمر: )ادْخُلُوا( فرض الدخول، ومن آيات أخرى في نفس الموضوع وهي: )وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(([15])، وقوله تعالى: )وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا(([16]). فأخذ القرطبي من هاتين الآيتين الوعد بالسكنى إن دخلوا كما أمروا، ولا شك أن السكنى كانت مفروضة عليهم؛ لأنها جاءت هنا بفعل الأمر، ولم يُشر القرطبي لهذا على اعتبار أن فرض الدخول يتضمن السكنى، وإلا كان الدخول بلا معنى!

والحقيقة أن الجمع بين كثير من الأقوال السابقة ممكن فأقول: إن الله سبحانه قضى وقدر أن تكون الأرض المقدسة لهم، وقد كتب هذا عنده في اللوح المحفوظ كما كتب مقادرير الأشياء كلها قبل خلقها([17])، فقسمها لهم بحدودها، وسماها لهم بالأرض المقدسة تأكيدا على هذه الحدود، وفرض عليهم الجهاد ليدخلوا هذه الأرض عنوة، ويسكنوا فيها.

 ولكن المعترَض عليه ما قيل من ألفاظ التمليك والتوريث على صيغة التأبيد، وهذا فيه نظر لأمور:

الأول: لأنه مخالف للواقع على الأرض، وكما يقول رشيد رضا: )كَتَبَ اللهُ لَكُمْ( يَعْنِي: كَتَبَ لَهُمُ الْحَقَّ فِي سُكْنَى تِلْكَ الْبِلَادِ الْمُقَدَّسَةِ... وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا كُلُّهَا تَكُونُ مِلْكًا لَهُمْ دَائِمًا، أَوْ لَا يُزَاحِمُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَاقِعِ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ([18]).

الثاني: ومن جهة أخرى فإن وعود الله علتها دائما الصلاح والطاعة، وإن الله بريء ممن عصاه وتمرّد على شرعه، وإنما يفي بعهود من أطاعه، وتأييد الله سبحانه يدوم مادام الإنسان وفيا لعهده مع ربه، وهذا ما قاله الله سبحانه وتعالى لهم: ]يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ[([19]).

الثالث: إن هذا الرأي متأثر بالإسرائيليات، ومع الأسف أن تتناقل هذه الإٍسرائليات بعض كتب التفسير وبكثرة، فيذكرون نصوصا منها ما روي: "إن إبراهيم u لما صعد جبل لبنان قال له الله تعالى: انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس، وهو ميراث لذريتك"([20]).

وهذا النص موجود في التوراة المحرفة اليوم؛ إذ لإبراهيمu في التوراة أكثر من عشرة عهود بالتملك منها:

"ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لأبرام وقال له… فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم لأنني أجعلك أبا لجمهور من الأمم… وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا أبديا… وأعطي لنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا"([21]).

والمقصود بأرض غربة إبراهيمu فلسطين؛ لأنه هاجر إليها بعد أن نجاه الله من النمروذ في العراق، وكانت تسمى: أرض الكنعانيين، يعني: العرب، أولاد كنعان ابن حام ابن نوحu([22])، وفيها المسجد الخليلي نسبة إليهu. وفيها قال سبحانه: )وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ(([23]).

المبحث الثاني: المخاطب بـقوله تعالى: )لكمْ(

يرى يهود اليوم أنهم معنيون بعهد الله الوارد بين الله سبحانه وأنبيائهم، ومنهم موسىu في الأرض المقدسة؛ مما يدل بوضوح على البُعد العقدي اليهود في فلسطين، وهذا لا يحتاج إلى كبير تأمل فدولتهم يسمونها: (إسرائيل) على اسم نبي الله إسرائيل (يعقوب)u([24]). وبرلمانهم: (الكنيست) على اسم دور عبادتهم، وعَلَمهم تتوسطه نجمة داود السّداسية بين لونين أزرقين، للإشارة إلى أن حدودهم هي حدود مملكة داودu: من الفرات إلى النيل.

يقول البروفيسور إسرائيل شاحاك اليهودي: "فالإيديولوجية اليهودية توصي بأن الأرض التي كانت في قديم الزمان، إما محكومة من حاكم يهودي كائنا من كان، أو موعودة لليهود من الله إما في التوراة، أو بحسب تفسير حاخامي للتوراة والتلمود – وهو الأهم سياسيا في الواقع – فإن هذه الأرض يجب أن تعود لإسرائيل بما أنها دولة يهودية"([25]).

كما أن الزعامات اليهودية الصهيونية السياسية لا تخفي مثل هذا التوجه، بل تعلنه على الملأ، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

وقف رئيس الوزراء الأسبق (ابن غوريون)([26]) عام 1948م، ممثلا لليهود في الأمم المتحدة ليقول: "وقد لا تكون فلسطين لنا من طريق الحق السياسي أو القانوني، ولكنها حقّ لنا على أساس ديني. فهي الأرض التي وعدنا الله وأعطانا إياها من الفرات إلى النيل، ولذلك وجب على كل يهودي أن يهاجر إلى فلسطين وأن كل يهودي يبقى خارج إسرائيل بعد إنشائها، يعد مخالفا لتعاليم التوراة، بل إن هذا اليهودي يكفر يوميا بالدين اليهودي"([27]).

وهذا يجعلنا نمحص النظر في المقصود بكلمة: )لكمْ( في الآية الكريمة، ونمحص النظر في حقيقة اليهود اليوم: هل هم إسرائيليون؟ أم يهود، أم صهاينة، أم ساميون، أم ماذا؟ وما مدى انطباق الآية الكريمة عليهم؟

أصل اليهود اليوم

وحتى نعلم مدى انطباق كلمة: )لكم( على يهود اليوم، لابد أن نرجع إلى أصول يهود اليوم، وأصل تسميتهم: (يهود).

يرى عبد الوهاب المسيري أن مصطلح: (يهود) ظهر أثناء العصر الهيليني، للإشارة إلى ممارسات اليهود الدينية لتمييزها عن عبادات جيرانهم. وقد اعتمد هذا المصطلح يوسيفوس فلافيوس ليشير إلى العقيدة التي يتبعها أولئك الذين يعيشون في مقاطعة يهودا مقابل (الهيلينية)، أي عقيدة أهل هيلاس Hellas، وهكذا بدأ المصطلح كتسمية للمقيمين في منطقة جغرافية ثم أصبح يشير إلى عقيدتهم. أما الأصل العبري: (يهدوت)، فيعود إلى العصور الوسطى([28]).

وإذا كان هذا تاريخ ظهور هذا المصطلح، فمن أين أخذت مادة هذه الكلمة؟ أشهر ما قيل في نشأة هذا المصطلح رأيان أساسيان:

1- من (التوبة): الهَود: التوبة. وتهوّد: تاب، ورجع إلى الحق فهو هائد. وأرادوا بلفظ اليهود: اليهودييّن، ولكنهم حذفوا ياء الإضافة، كما قالوا: زنجي وزنج. وإنما عرّف على هذا الحد، فجمع على قياس شعيرة وشعير، ثم عرّف الجمع بالألف واللام.

2- من (يهوذا): أكبر أولاد يعقوبu، فعُرّب بقلب الذال دالا([29]).

وبغض النظر عن الرأي الراجح في أصل النشأة، فإنه قد غلب لفظ: (يهود) الحديث، بعد ذلك على لفظ: (بني إسرائيل) القديم، وصار علمًا عليهم جميعا للأسباب الآتية:

أ - التوراة كتبت بحيث تَعِدُ (يهوذا) بالمجد والسؤدد، دون سائر إخوته:

 "يهوذا إياك يحمد إخوتك يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو أبيك... وله يكون خضوع شعوب"([30]). وبالتالي من المصلحة أن يكون الجميع يهودا.

ب - نظرًا لأن مملكة الجنوب بعد سليمانu كانت تسمى مملكة يهوذا، وهي آخر ملك لهم. والأهم من هذا أن عاصمتها كانت القدس (أورشليم). وهذا أمر مقدس عند بني إسرائيل أجمعهم([31]).

جـ - لأن لفظ: (يهود). أو: (يهودية) أصبح اصطلاحا يعطي معنى عقديا لهذه المجموعة من الناس، وليس مجرد نسب كلفظ: (بني إسرائيل).

 

يهود اليوم ليسوا إسرائيليين

إن الآية القرآنية التي نحن بصدد فهمها، لم تخاطب اليهود، وإنما خاطبت قوم موسىu، وهم مؤمنوا بني إسرائيل، ولفظ: (إسرائيل) يعني: يعقوبu. وهذا أمر متفق عليه بين القرآن والتوراة والإنجيل([32]). واليهود في أيامنا يطالبون بفلسطين على أنهم ساميّون من جهة، وهم بنو إسرائيل من جهة أخرى، ولذلك يسمون دولتهم: بـ (إسرائيل). وهذان الادعاءان تعوزهما الحجة، وينقصهما البرهان، وهذا ما سنناقشه الآن:

يقول البروفيسور اليهودي إسرائيل شاحاك: فبحسب القانون الإسرائيلي يعتبر الشخص (يهوديا) إذا كانت والدته أو جدته أو جدته لأمه أو جدته لجدته، يهودية في ديانتها، أو إذا اعتنق الشخص الديانة اليهودية بطريقة ترضي السلطات الإسرائيلية، ولكن شرط ألا يكون هذا الشخص قد تحول في وقت من الأوقات عن اليهودية واعتنق ديانة أخرى، ففي هذه الحالة تقلع إسرائيل عن اعتباره (يهوديا). ويمثل الشرط الأول من الشروط الثلاثة التعريف التلمودي لمن هو يهودي، وهو التعريف الذي تعتمده الأرثوذوكسية اليهودية… وهذه الطريقة الصحيحة تستلزم بالنسبة إلى الإناث، معاينتهن من ثلاثة حاخامات وهن عاريات في (حمام التطهير)([33]).

واضح من كلام إسرائيل شاحاك عدم اشتراط القانون الإسرائيلي للاعتراف بشخصية يهودية أن تكون هذه الشخصية من بني إسرائيل. وقد صدر "قانون الجنسية الإسرائيلي عام: 1952م، بحيث يحق لكل يهودي يهاجر إلى إسرائيل الحصول على الهوية الإسرائيلية بمجرد دخول البلاد"([34]).  وبالتالي ليس كل متجنّس بالجنسية الإسرائيلية يكون إسرائيليا نسبا بالضرورة.

وقد قدم توماس كيرنان عرضا شاملا ليقضي على التزييف التاريخي الذي يقوم به الصهاينة إذ قال: الصهيونيون أوربيون تماما، وليس هناك أية رابطة بيولوجية أو أنثروبولوجية ـ أي: قرابة عضوية أو قرابة دم ـ بين يهود أوربا والقبائل العبرية القديمة([35]).

ومن جهة أخرى فإن الديانة اليهودية وإن كانت غير تبشيرية كما هو معروف، إلا أنها بحكم الواقع والتاريخ تعرضت لما تتعرض له الديانات الأخرى من اعتناق أناس لها، وردّة آخرين عنها. فثمة جاليات يهودية كاملة تركت اليهودية وانقطعت علاقتها بها تماما، كالجالية اليهودية الصينية التي اعتنق أفرادها الكونفوشيوسية. وبالمقابل فقد اعتنقت اليهودية في وقت متأخر نسبيا جماعات أخرى. بل تهود ملك الخزر (لابان) عام 720م، وتبعه أشراف دولته، التي شملت أكثر من نصف مساحة روسيا الحالية. وأجبر الشعب على التهوّد، بعد أن كانوا وثنيين يعبدون ذكر الرجل, وأصبح لا يحق لغير اليهودي أن يتولى زمام الحكم فيها. والخزر أصولهم أتراك فنلنديون مغوليون.

والتاريخ يذكر لنا أيضا عن أمم كثيرة اعتنقت اليهودية من غير بني إسرائيل، مثل حاكم اليمن في القرن الخامس الميلادي زمن رئيسهم ذي نواس الذي أجبر الناس على اليهودية، وشق الأخدود لمن خالفه، قال تعالى: ]قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعـُودٌ. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ[([36]). وظلت مملكته نصف يهودية حتى عام 525 م. أي حتى سقوطها في أيدي الأحباش والبيزنطيين([37]).

وكذلك انتشرت اليهودية في الحبشة وبلاد القوقاز وأواسط أوروبا وبلاد المغرب، وشعوب كثيرة في الإمبراطورية الرومانية، وفي الأندلس. إلى جانب تهود الكثير من الجند الآشوري الذين أرسلوا إلى فلسطين([38]). وقد تكلم الباحثون في أيامنا كثيرا عن قسمي اليهود الرئيسيين:

§  الإشكنازيم: أي اليهود المنحدرون من أصل ألماني وأكثرهم من يهود الخزر ويمثلون 92 ٪ من يهود العالم.

§ والسفارديم: وهم يهود البلاد الإسلامية قديما، وأكثرهم طردوا من أسبانيا ويتكلمون الأسبانية في أوروبا والعربية في بلاد العرب.

وحسب التقديرات المتوقعة أن نسبة بني إسرائيل فيهم لا تكاد تذكر في نسبة مئوية([39]). هذا بالإضافة إلى الإبادات الكبيرة التي حصلت لبني إسرائيل في القديم على يد الملك بختنصر([40]) البابلي وتيطس الروماني وغيرهما([41]). فما من بقعة استوطنها اليهود إلا ونكل بهم أهلها، لسوء معاملتهم واحتكارهم لثروات البلاد. فقتلوا من جهة، ومن جهة ثانية اختلط جنسهم من خلال هذا الشتات الطويل جدا بالأجناس الأخرى، ولم يعد الدم الإسرائيلي اليهودي نقيا كما كان.

ومن أوضح الأدلة الظاهرة على أنه ليس كل إسرائيلي يهوديا؛ العرب داخل إسرائيل، ويمثلون نحو 1.4مليون نسمة([42])، وهم معادون للصهيونية قوميًا ودينيًا وسياسيًا.

ولنعرف الفرق بين يهود التوراة ويهود اليوم نقرأ هذا النص من التوراة: "متى أتى بك ربك إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطَرَد شعوبا كثيرة من أمامك الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين سبع شعوب أكثر وأعظم منك… لا تقطع لهم عهدا ولا تشفق عليهم. ولا تصاهرهم. بنتك لا تعطيها لابنه وبنته لا تأخذها لابنك… لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك. إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض"([43]).

إذًا التوراة لا تقبل بغير النقاء من بني إسرائيل، فأين يهود اليوم من هذا النقاء؟

وأما بالنسبة للقرآن فقد ورد لفظ: (يهود) تسع مرات كلها في الذم لهم، ومنها: ]لَتَجِدَنَّ أَشَـدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءامَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا[([44]). وليس منها شيء في إعطائهم الأرض المقدسة أو غيرها.

يهود اليوم ليسوا ساميين

ظهر مما سبق أن اليهود اليوم عبارة عن خليط من أجناس شتى، وأنهم ليسوا إسرائيليين حتى في المنظور التوراتي، وأريد أن أضيف هنا بأنهم ليسوا ساميين كذلك فأقول:

إن تقسيم التوراة للشعوب له طابع سياسي، وليس دقيقا علميا، وقد ردّ عليه الكثير. وهذا التقسيم لشعوب الأرض مثبت في التوراة مفصلا([45]). حيث جعلت كنعان الذي هو أبو العرب ـ حسب زعمهم ـ من أولاد حام، لتصب عليه اللعنة: "وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه. فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجا. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء. فلم يبصرا عورة أبيهما. فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير فقال ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لأخوته وقال مبارك الرب إله سام"([46]).

وهذه تهيئة من كتّاب التوراة لأخذ فلسطين؛ أرض كنعان الكافر ـ حسب زعمهم ـ لأن الإله أحب سام، وجعل كنعان عبدا لعبيد سام! ثم تطور هذا الكلام إلى ما عرف بعد هذا بالنظرية السامية([47])!. إلا أنه في مكان آخر من نفس السفر حصل تناقض إذ جلعت يقطان (قحطان) من أولاد سام([48])، ومعلوم أن قحطان أبو العرب العاربة، ويلتقي نسبه مع نسب إبراهيمu، فهذا يدل على أن العرب ساميون، وهذا يتناسب مع مقولة للخليل بن أحمد الفراهيدي: "وكنعان بن سام بن نوح: ينسب إليه الكنعانيون وكانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية"([49]).

كما يتفق هذا مع ما تذكره سيرة ابن هشام وغيرها من كتب السيرة، وتاريخ الطبري([50])، من أن الرأي الأقوى أن نسب الرسولr ينتهي إلى سام بن نوح. بل ويتفق مع حديث الرسولr المروي عن سمرة بن جندبt: أنَّ رسول اللهr قال: سَامٌ: أَبُو العرَبِ، ويَافِثُ: أبُو الرُّوم، وحَامٌ: أَبُو الحَبَشِ([51]).

 

المبحث الثالث: استحقاق الأرض لا يكون بالنسب وإنما بالطاعة

إن النسب الإسرائيلي الذي يتمسك به اليهود اليوم لاغتصاب أرض فسطين، لا يمكن أن يكون كافيا في انطباق كلمة: )لكمْ( عليهم، للأسباب الآتية:

 

1- فلسفة التكريم في الإسلام

التكريم في القرآن ليس مبنيا على النسب والحسب كما فهم اليهود من عهودهم؛ وإنما مبني على العقيدة الصحيحة والعمل الصالح. وهذا ما سماه سبحانه وتعالى بسعي الإنسان الذي يكون عليه التكريم أو عكسه فقال: ]وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى[  ([52]). وبين بوضوح أن الفوز والتكريم عند الله إنما يكون بالعمل الصالح فقال: ]فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ ([53]). وبين أن الحساب يوم القيامة يكون بناء على الكسب في الدنيا بغض النظر عن أي شيء غير ذلك فقال محذرا: ]وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ[ ([54]).

وقد أكد الرسولr هذه المعاني بقوله: "مَن بْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ: لم يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ"([55]). ومن أعلام الأحاديث عنهr قوله: "إن ربكم واحد وأباكم واحد، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى"([56]).

ثم ردّ سبحانه على اليهود وغيرهم ممن يدعي النجاة يوم القيامة، والقرب من الله سبحانه لأي سبب غير الإيمان والعمل الصالح، مثبتا لهم العقاب الأليم، قال تعالى: ] بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[ ([57]).

 

2- المساواة بين الناس

 ليس للأحساب وزن عند الله سبحانه، بل يرى القرآن التفاخر بالأحساب عادة جاهلية يفعلها غير العقلاء ممن غرّتهم الحياة الدنيا وزينتها، قال تعالى: ]اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ[ ([58]).

وقبح الرسولr التفاخر بالآباء تقبيحا شديدا، شبه فيه الفاعل للتفاخر بالآباء بحيوان يدفع النتن بأنفه فقال: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ"([59]).

 فالقرآن إذًا لا ينظر إلى الإنسان من حيث جنسه وقوميته، وإنما ينظر له من خلال عقيدته وطاعته. قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[([60]). فبين سبحانه بجلاء أن القرب منه والفوز بمرضاته يكون على قدر طاعته و تجنب معاصيه. كما بين أن أصل البشرية واحد للجميع من ذكر وأنثى. وأكد هذا المعنى بقوله: ]هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا[  ([61]).

كما بين سبحانه أن أنساب الدنيا كلها لا قدر لها في المفاضلة بين الناس يوم القيامة فقال: ]فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ[ ([62]).. بل المسألة أعقد من ذلك، ففي ذلك اليوم يدرك الجميع أن لا قيمة للأنساب، فينشغلون عنها. قال تعالى: ]يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ[ ([63]).

وعندما بالغ اليهود في التفاخر حتى وصّلوا نسبهم إلى الله سبحانه وتعالى، ردّ عليهم سبحانه مفحما لهم بأنهم لو كانوا كما يقولون لما صح أن يعذبهم أبدا، إذ في عقيدة اليهود أن الله سبحانه سيعذبهم أياما معدودة، وإن كان في عقيدتنا يعذبهم عذاب الكفار الدائم اللازم. قال تعالى: ]وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ[ ([64]). وقال تعالى: )وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(([65]).

بل ينظر الإسلام إلى البشرية نظرة أكثر مساواة وسلاما وأمنا وتآلفا من كل النظريات والفلسفات المعاصرة؛ إذ يرى البشرية بأجمعها عبارة عن أسرة واحدة، من أب وأم، والتفاضل بين أفراد هذه الأسرة يرجع إلى العمل الصالح، بعد المعتقد الصحيح. قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[ ([66]). فالخلق كلهم ربهم واحد، والأرحام كلها ترجع إلى رَحم واحد.

3- القرآن الكريم يستبعد النظرية السامية

كثيرا ما يذكر القرآن القرون الماضية بأنها كثيرة ومجهولة بالنسبة لنا، بل ويسميها غيبا أحيانا كما في قوله: ]ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ[ ([67])؛ لأن التفاصيل الدقيقة عن تاريخ سحيق لا يحيط بعلمها إلا الله سبحانه. بل التفاصيل الدقيقة عن واقعنا المعاصر أمر لا يمكن لبشر حصره! فكيف يعرف كل إنسان نسبه إلى آدمu؟ وقد قال تعالى أنه خلق قرونا كثيرة يصعب حصرها: ]وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا[ ([68]). ولذلك كان رسول اللهr إذا انتسب لا يجاوز عدنان:

عن ابن عباسt، عن الرسولr: "كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبته معد بن عدنان بن أُدَد ثم يمسك عما زاد ويقول: كذب النسابون. قال الله تعالى: ]وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا["([69]). قال ابن سيد الناس: ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل، وإنما الخلاف في عدد مَن بين عدنان وإسماعيل من الآباء، فمقل ومكثر، وكذا من إبراهيم إلى آدم لا يعلمه على حقيقته إلا الله تعالى.

ويؤيد ما جاء في الحديث الشريف ما ذكرته من القرآن الكريم آنفا، وكذلك ما ذكره المناوي عن الحديث: يدّعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد. قال الله تعالى: ]وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا[: يعني هم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله. قال ابن دحية: أجمع العلماء - والإجماع حجة - على أن النبيr كان إذا انتسب لا يجاوز عدنان([70]).

4- من جهة أخرى، فقد أخبرنا سبحانه من خلال ما أثبته القرآن الكريم أن كثيرا من ذرية إبراهيمu لم يرفع رأسه بالديانة، وأن بني إسرائيل تفرقوا، بعضهم آمن وبعضهم كفر، وأن يهود اليوم من ذرية كفار بني إسرائيل وليسوا من المؤمنين.

قال تعالى: ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ[ ([71]). فبين بجلاء أن كثيرا من الذرية كان فاسقا لا يستحق عهدا ولا تمكينا، ولا يستحق غير جهنم.

وقال تعالى: ]وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[ ([72]). فبين سبحانه أن عهده لا يكون إلا مع المؤمنين الصالحين، ولو كانوا من ذرية أبي الأنبياء إبراهيمu. وقد عمّم سبحانه هذه القاعدة على جميع البشرية في آية أخرى فقال: ]وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ[ ([73]).

ثم بين سبحانه أن بني إسرائيل انقسموا إلى فرقتين في أمر عيسىu: فآمنت به طائفة، وكفرت طائفة، ويهود اليوم من نسل هذه الطائفة الكافرة؛ لأنهم لا يؤمنون بعيسىu: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ[ ([74]).

وبالجملة القرآن لا يرى لهم صلاحا إلا إذا آمنوا بمثل ما آمن به المسلمون. قال تعالى: ]فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ ([75]).

5- يهود اليوم غير مؤهلين للتمكين الشرعي في الأرض

بينت سابقا أن التمكين الشرعي إنما يكون للأتقياء الصالحين؛ لأن في التمكين لهم يسود العدل والدين معا. و يأمن الناس على دينهم ودنياهم. قال تعالى: ]الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ[ ([76]). وقال: ]وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ[([77]).

ولا مانع لدينا أن يكون الصالحون من بني إسرائيل إذا كانوا مسلمين صادقين، كما لا مانع لدينا أن يدوم التمكين لهم في الأرض ما داموا مسلمين آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حافظين لحدود الله، وعادلين بين عباده.

إلا أن يهود اليوم ليسوا كذلك، والقرآن لا يراهم مستحقين لشيء غير غضبه ولعنته في الدنيا والآخرة؛ وذلك لأنهم على فرض أنّا عددناهم من بني إسرائيل – وهذا على أحسن أحوالهم – فيكونون من كفار بني إسرائيل وليس من مؤمنيهم المستحقين للأرض المقدسة؛ وذلك لأسباب كثيرة جدا سأكتفي ببعضها مما يهمنا في هذا البحث:

أ- كفرهم بموسىu: فلو آمنوا به لآمنوا بكل أنبياء الله، ولم يوالوا أعداء الإسلام؛ لأن الأنبياء يأمرون بالإيمان بكل من أرسل الله لهداية البشر، ويأمرون بحب المؤمنين كذلك. وقد ثبّت عليهم سبحانه هذا الكفر بقوله: ]وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ[ ([78]).ولذلك أمرهم القرآن الكريم بالتزام التوراة إن كانوا مؤمنين حقا بموسىu. قال تعالى: ]وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ[. وبعدها قال أيضا: ]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[ ([79]).

ب- كفرهم بعيسىu: أرسل الله لبني إسرائيل بعد موسىu عيسىu رسولا لبني إسرائيل؛ قال تعالى: ]وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ[([80]). فكفروا به فلعنهم كما لعنهم داودu من قبله. قال تعالى: ]لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ[([81]).

وفي الإنجيل الوضعي مثل هذا حيث يقول عيسىu: "لم أرسَل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة"([82]).

ولما استمروا في جرائمهم ضد أتباع عيسىu بعد أن ادعوا قتله كذبا، عاقبهم سبحانه بأن سلط عليهم القائد الروماني تيطس (70م)، فدمر عروشهم ـ كما ذكرت سابقا ـ ومزقهم في الأرض كل ممزق.

ج- كفرهم بمحمدr: كانوا ينتظرون الرسول القادم على أحر من الجمر، فلما بُعث محمدr ورأوا أنه من العرب، وليس من بني إسرائيل كفروا به. قال تعالى: ]وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ[([83]). فلعنهم الله وغضب عليهم، وسلط عليهم المسلمين حتى أخرجوهم من جزيرة العرب.

تمكين بني إسرائيل في الأرض له شروط ذكرتها آيات أخرى

ومن باب تفسير القرآن بالقرآن أذكر آيات أخرى بصدد ما نحن فيه من ادعاء يهود اليوم أحقيتهم بالأرض المقدسة منها:

§   اشترطت الآيات لتمكين بني إسرائيل في الأرض أن يكونوا من المتقين الصالحين وهذا واضح في قوله تعالى: ]وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ.  وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ[([84]). "والأئمة هم قادة الخير ودعاته"([85]) في البلاد والعباد، فيكونون من عباد الله المسلمين لا من معانديه الكافرين.

وهذا شرط في عهد الله لإبراهيمu، قال تعالى: ]وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[([86]). وقد اتضح من هذه الآية أن ذرية إبراهيمu منها الصالح وهو الذي يمكّن الله له في الأرض والدين، ومنها الظالم وهذا لا عهد له من الله ولا تأييد.

§   في قوله تعالى: ]قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[([87]). كما وضحت آيات المائدة التي أمرتهم بدخول الأرض المقدسة أنها أمرتهم بذلك عندما كانوا مؤمنين فقال تعالى: ]قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[([88]). ولما تخلفوا عن الجهاد وعصوا رسولهم وثبت فسقهم منعوا من الأرض المقدسة، بل وضرب الله عليهم التيه في الأرض أربعين سنة.

ومن هنا نستطيع أن نفهم مخاطبة الله لهم في هذه الآيات بلفظ: (بني إسرائيل) أنه لم يكن المقصود منه: النسب إلى إسرائيل (يعقوب)؛ وإنما المقصود به: المسلمون، دون أي اعتبار آخر للجنس. وإنما قال:)بني إسرائيل(؛ لأنهم في ذلك الوقت كان المسلمون منهم؛ لأن الرسالة فيهم. وتسمية ديانتهم باليهودية مبتدع، لا قيمة له. والحق في قوله تعالى: ]إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ[([89]). ]وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[([90]). ولأجل الإسلام كان الله معهم في تلك الأيام ضد سكان فلسطين الوثنيين الذين قال لهم فيهم: ]سَأُورِيْكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ[([91]).

  ومما يدل على أن اليهود يفهمون التوراة بطريقة انتقائية، فيأخذون ما لهم ويتركون ما عليهم، هذا النص التوراتي الذي يقطع أطماع اليهود بتملك الأرض بمجرد النسب والانتماء، ففي مزامير داود نجد قوله: "الصدّيقون يرثون الأرض"([92]). وهذه من أوضح العبارات. بل قال تعالى في القرآن أنه أنزل هذا المعنى على داودu فقال: ]وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ[([93]). ومعلوم أن الزبور كتاب داودu فقد قال تعالى: ]وءاتينا داودَ زبـورا[([94]). وفي هذا إشارة إلى أن عبارة المزامير المنسوبة إلى داود في التوراة اليوم من بقايا كتاب داودu. والله أعلم.

§   بين سبحانه وتعالى لزوم استمرار مسلمي إسرائيل على التقوى، وأن دخولهم الأرض المقدسة امتحان جديد لهم في عهد قوتهم، بعد أن امتحنهم في عهد ضعفهم فقال: ]قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[([95]).

وهذا يعني أنهم إن تغيروا مع الله يُغيّر حالهم. وهذه سُنّة إلهية حيث قال: ]ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[([96]). وحال اليهود من الفسق والفجور والكفر لا يخفى على العالم.

وقد حذّرهم القرآن من ضياع عهودهم كلها عند الله إن لم يكونوا أتقياء، ومؤمنين برسوله محمدr فقال: ]يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ[([97]).

ثم أخبرنا سبحانه أنهم لم يبالوا بتحذيره واشتروا بآياته ثمنًا قليلا، وكفروا بمحمدr فقال: ]بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ[([98]). وبالتالي خسر اليهود الأرض المقدسة، وعزتهم وتمكينهم ونجاتهم وأمنهم، فلجأوا إلى الناس ليعوّضوهم ما خسروه عند الله، وهاهم يبحثون عن الأمن صباح مساء، ولن يجدوه بغير الإسلام.

 

وفي ختام هذا البحث أخلص ـ بحمد الله وتوفيقه ـ إلى نتائج مهمة وهي:

-      إن الآية الكريمة لم تكتب لقوم موسىu الأرض المقدسة على سبيل التمليك، أو الوراثة.

-      إن الله سبحانه إنما يكتب الأرض، ويفي بالعهود، لمن كان صالحا وفيا مع ربه.

-   إن الناس في الميزان الشرعي، لا يتفاضلون بالأنساب، وإن التكريم الإلهي إنما يكون على حسب الطاعة.

-   التمكين في الأرض يدوم مع دوام الإيمان والعدل، ويزول بزوالهما؛ ومن هذا الباب كتبت الأرض لقوم موسىu عندما كانوا صالحين مفضلين على العالمين، وسلبت منهم بذهاب طاعتهم، وبسبب كثرة كفرهم.

-   المؤمنون الصالحون المصدقون بالرسل الطائعون هم المستحقون لعهد الله بالأرض بنص القرآن والتوراة.

-   المسلمون بما هم عليه من توحيد وإيمان بإبراهيم وإسرائيل وموسى وبكل الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ هم المؤهلون لأن تكون لهم الأرض المقدسة، وهذا ما حصل عبر التاريخ، إذ حكمها المسلون أكثر مما حكمتها كل الديانات والأمم.

تم البحث بحمد الله

 

أضف تعليق

نص اتفاقية التعليق


كود امني
تحديث



المرئيات

الصوتيات

ألبوم الصور

تداعت عليكم الأمم