بنود الموقع
عضوية الموقع

احصائيات الموقع

عدد الزوار   
1979
عدد الصفحات   
56
عدد الزيارات   
600316


جديد الموقع: الفاضحة !!
جديد الموقع: عجبا رأيت !!
جديد الموقع: سَذاجَةُ فراشَة
جديد الموقع: عبرة لأولي النُّهى

الأبحاث العلمية

أثر الوعي الوقائي في حماية الأمن الفكري/دراسة قرآنية

.
نشر بتاريخ الثلاثاء, 19 شباط/فبراير 2013 20:20

بحث ممول من جامعة تبوك

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ملخص البحث

يدرس البحث من خلال منهج وصفي تحليلي الوعي اللازم لتحصين الأمن الفكري في المجتمع، دراسة قرءانية. وبعد جمع العديد من النصوص القرآنية ذات الصلة، ثبت أنه سبحانه أودع في كتابه من عواصم الأمن الفكري ما يحفظ به دينه وأمته إلى قيام الساعة، وكان من بينها التركيز على مكانة العقل والتفكر، وفضح الغزو الفكري القادم من أهل الديانات الأخرى الحانقين على المسلمين.

 

كما درس البحث تنوع التوعية بتنوع بيئة المسلمين على اعتبار تغير الأخطار بتغير المكان، فكشف مكائد المشركين، في مكة، وغزو اليهود الفكري في المدينة ثم فضح أهداف وأساليب المنافقين، وزيغ النصارى، ونواياهم. مما نشر توعية شكلت الحصن المنيع للأمن الفكري الذي تميزت به الأمة الإسلامية، وثبت من خلال البحث بأن هذه التوعية وتلك العواصم لا تزال، وستبقى الدواء الشافي لكل داء يهدد أمن هذه الأمة الفكري.

كما ظهر من خلال البحث بأن القرآن لم يكتف بالتوعية الخاصة السابقة، ,وإنما انتقل إلى التوعية العامة، وكان على رأس ذلك: التمسك بالكتاب والسنة، وطاعة أولي الأمر، والحذر من الخوض في دماء المسلمين. وضرورة أخذ الناس على ظواهرهم، وإيكال سرائرهم إلى ربهم.

وهذا أقرّ عين الرسولr واطمأن بعد هذه التوعية إلى سلامة الأمن الفكري لأمته من بعده فقال: "تركتكم على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك"([1]).

ولم يغفل البحث عن ربط الماضي بالحاضر ربطا يليق بالمقام، لتأسيس توعية ومنهاج في حماية أمننا الفكري.

 

المقدمة

الأمن ركن الحياة الركين، منه أخذ اسمه سبحانه: )الْمُؤْمِنُ(، وهو البيئة التي تخلق المبدعين، والعباقرة، ولذا نجده الهاجس الذي يقض مضاجع الفرد والجماعة، الإنسان والحيوان على هذا الكوكب. وليس غريبا أن يمنّ الله على العرب بقوله: )فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(([2]). وإذا كان الخوف على المال والطعام مدعاة لتهديد الأمن في دنيا الإنسان، فإن الخوف على الفكر يهدد دنياه وآخرته.

وطالما أن الدين الإسلامي ينفرد عن غيره بالتشريع للمجتمع تشريعا يُصلح حال الدنيا والآخرة، فلا يمكن تصور وقاية لأمنه الفكري إلا باتباع شريعته التي ملأت قلبه وفكره وسلوكه؛ إذ باتباع الشريعة نعقد صلحا بين ما يؤمن به الفرد وما يطالب بتأديته. وقد بين سبحانه بأن إقامة الدين والعدل بين الناس شرط في تحقيق الأمن فقال: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(([3]).

والأمن الفكري مهما اتسع نطاقه فلن يخرج في أسسه عن تحصيل الطمأنينة على الدين، والنفس، والعقل، وهذا الثلاثي تتفرع عنه كل الأمور الأخرى، ولذلك كانت حماية هذه الضروريات الثلاث من مقاصد الشريعة الإسلامية([4]).

وبالتالي صار من اللائق أن ندرس الأمن الفكري في منبعه، في القرآن الكريم، من خلال مكيه ومدنيه، ففيهما غزو فكري تعرضت له جماعة المسلمين على ألسنة حداد من مشركين ومنافقين ويهود ونصارى. فتعرفنا من خلال البحث على أساليب القرآن الكريم في مقاومة هذا الغزو، وعلى كيفية غرس الوعي الوقائي في نفسية الصحابة ليكون ملكة شخصية ذاتية تتصدى لهذا الغزو على مر الأيام. ثم تم الربط بين الوعي الوقائي إيام البعثة والعصر الحاضر.

كما توصل البحث إلى أهم ركائز للوعي الوقائي في القرآن الكريم بشكل عام.

 

تعريف الوعي الوقائي

 

للوعي معان عدة، منها المألوف المشهور، وأخر حوشية غريبة، فأما الحوشي منها فلا يُعرف معناه إلا من خلال التركيب والحال والسياق الذي يندرج فيه، وهذا لا يعنينا فيما نحن فيه. وأما ما ذكرته قواميس اللغة مما اشتهر وألِف من معان الوعي فهي:

1-  حفظ الشيء([5])، أي الحفظ الذي هو ضد النسيان. ومثاله في الحديث الشريف: عن سماك بن حرب قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه، قال: قال سمعت النبيr يقول: «نضّر الله امرأ سمع منا شيئا فبلّغه كما سمع فرب مبلّغ أوعى من سامع»([6]).

2-   حفظه وجمعه([7]). فيقال لمن جمع شيئا في الوعاء: أوعاه.

3-   الحفظ والتقدير والفهم وسلامة الإدراك([8]).

ولو تأملنا القولين: الأول والثاني، لوجدناهما لا يخرجان عن معنى الجمع والضم، فالحفظ: هو جمع المحفوظ في القلب والذاكرة، ولذلك قال ابن فارس: الواو والعين والياء: كلمةٌ تدلُّ على ضمِّ شيء. ووَعَيْتُ العِلْمَ أعِيهِ وَعْيا. وأوْعَيْتُ المتاعَ في الوِعاء أُوعيه([9]).

إلا أن الاقتصار على هذا الكلام يجعل من كلمة: (حفظ) مرادفا لكلمة: (وعى)، لاشتراكهما في جمع المحفوظ في الذاكرة، ويبدو لي بأن ما أضافته بعض القواميس إلى (الحفظ) من الفهم والإدراك لمعنى: (وعى) لابد منه للتمييز بين (الحفظ) و(الوعي)، وبمعنى أدق أريد أن أقول: بأن (الوعي) أوسع من (الحفظ) وأعم، فمن وعى فقد حفظ، وليس كل من حفظ وعى. ولذلك قال ابن منظور: (الوَعْيُ): حِفْظ القلبِ الشيءَ، وعَى الشيء، والحديث، يَعِيه وَعْيا وأَوْعاه: حَفِظَه، وفَهِمَه، وقَبِلَه، فهو واعٍ. وفلان أَوْعَى من فلان: أَي أَحْفَظُ وأَفْهَمُ... الوَعِيُّ: الحافِظُ الكَيِّسُ الفَقِيه.

والوقاية: معروفة، فهي من (وقى): وقاه: سَتَرَهُ عن الأَذَى وحَمَاهُ وحَفِظَه، فهو واقٍ؛ ومنه قولهُ تعالى: )فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ(([10])؛ أَي مِن دَافِعٍ([11]). وكل ما وقى شيئا فهو وقاء له ووِقاية([12]).

وهذه النتيجة هي ما يعنينا في هذا البحث، ومن خلالها يمكن تعريف (الوعي الوقائي للأمن الفكري) المقصود في هذا البحث بأنه:

 

{استيعاب لعلم مخصوص يُكوّن حماية لصاحبه من أيّ تأثير فِكري غير مرغوب فيه}

 

تعريف الأمن الفكري

 

لن يجد الباحث في كتب التراث تعريفا لهذا المصطلح، نظرا لحداثته، وإنما يمكن أن نؤلف له تعريفا من خلال اللغة وما يدور في زماننا حول هذا الموضوع. فأما اللغة:

تكاد تتفق القواميس على أن الأمن: اطمئنان، ضد الخوف([13])، وأصّل ابن فارس جذر الكلمة فقال: الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي ضدّ الخيانة، ومعناها سُكون القلب، والآخر: التصديق. والمعنيان متدانيان([14]).

ولو دققنا في معنى (الأمن) و (الخوف) وامكانية اجتماعهما في النفس الواحدة، لاستحال ذلك في نظر العاقل، وأقول هذا القول؛ لأنني كثيرا ما أشعر بأن البعض يستعمل كلمة (ضد) على أنها مرادفة لكلمة (نقيض)، فاستعمل بعض العلماء فيما سبق كلمة: (الأمن ضد الخوف)، ونظرا لأن اجتماع الضدين ليس مستحيلا كما هو معلوم، وإنما المستحيل هو اجتماع النقيضين، فأقول: إنهم أطلقوا الضد وقصدوا النقيض، فالأمن والخوف لا يجتمعان، ونجد هذه الدقة عند ابن سيده إذ قال: الأَمْنُ نقيض الخوف([15]).

وأما معنى الأمن في المصطلح فغير وارد، فهي كلمة عربية تفهم بحسب سياقها سواء أكان السياق قرآنا أم سنة، وورود معنى كلمة الأمن في أي كتاب شرعي لا يعني بأن هذا صار اصطلاحا كما قد يتخيل البعض، فإن المصطلح لا بد فيه من أضافة دينية إسلامية لا تعرفها لغة العرب، ولا تتناقض مع المعنى اللغوي، مثل: الصلاة والصوم والزكاة وما شابه ذلك.

وأما مصطلح: (الأمن الفكري)، فقد عثرت على تعريفات له في رسالة ماجستير متخصصة في هذا الشأن، أهمها:

- تأمين العقل البشري ضد أي نوع من الانحراف والخروج عن الوسطية والاعتدال في فهم كثير من الأمور.

- سلامة فكر الإنسان وعقله وفهمه من الانحراف، والخروج عن الوسطية والاعتدال في فهمه للأمور الدينية والسياسية وتصوره للكون.

- النشاط والتدابير المشتركة بين الدولة والمجتمع، لتجنب الأفراد والجماعات شوائب عقدية أو فكرية أو نفسية، تكون سببًا في انحراف السلوك والأفكار والأخلاق عن جادة الصواب، أو سببًا للإيقاع في المهالك([16]).

ويبدو لي بأن هذه التعاريف هي تعاريف للفكر الآمن، وليست للأمن الفكري، فإن الوسطية والاعتدال ليست صفات للأمن، وإنما للفكر، ومن حق كل مفكر أن يبحث في أمن فكره سواء أكان متطرفا ـ بنظرنا ـ أو معتدلا! ونحن هنا لا نناقش فكر أمتنا وثقافتنا ورسالتنا: هل هي وسطية أم لا؟ هل هي معتدلة أم لا؟ فهذا يبحث في مواضيع أخرى، وإنما نحن نرى أنفسها أصحاب فكر وثقافة وهوية، هي الإسلام بكل ما فيه من عقيدة وشريعة وثقافة وأخلاق، وديننا هو هوية مجتمعاتنا وثقافتها، ولنا فكر يجمع أوطاننا وأمتنا سواء على مستوى الأمة أو الوطن. هذا الفكر نحن لا نناقشه الآن، وإنما نحن نثق به، ونبحث عن تأمينه وحفظه من التحريف والتشويه، وما ينتج عن ذلك من تشرذم المجتمع واضطراب الأمن بكل أنواعه. بغض النظر عن نظرة الآخرين لفكرنا، فقد يرونه متطرفا، أو متخلفا، أو غير ذلك. فمن حق كل إنسان أن يعتنق الفكر الذي يناسبه، ومن حق كل إنسان أن يحمي فكره، فهناك أمن فكري عند الهندوسي، وعند البوذي، وعند الصهيوني، وعند النصراني، والصليبي، وكل الفرق والأديان والتجمعات. كل هؤلاء يرون أنفسهم على اعتدال ووسطية! ويحرصون على حماية أمنهم الفكري، ونحن كذلك نرى أنفسنا على الحق والعدل والوسطية، ونبحث عن أمننا لفكرنا الذي ملأ قلوبنا وعقولنا وسلوكنا كما يبحث غيرنا. وبالتالي يبدو لي بأننا محتاجون لتعريف آخر للأمن الفكري، والذي أراه:

 

{الأمن الفكري: هو شعور([17]) الفرد والجماعة بحماية المنظومة الفكرية، والاطمئنان في ممارستها}

 

وأقصد بالمنظومة الفكرية: كل خصوصيات الجماعة الدينية والثقافية والقيمية والقومية والأخلاقية، وغير ذلك مما تشعر الجماعة بأنه يخصها ويجمعها، وتحرص عليه.

 

أولا: الوعي الوقائي في القرءان المكي وحمايته للأمن الفكري

 

ما أن صدع الرسولr بدعوته في مكة، حتى اشرأبت أعناق المشركين في وجهه، وتداعت جموعهم لكبت صوت الحق وإخماده، وإبعاده عن أسماع الآخرين، ومارست قريش الإرهاب الجسدي والنفسي والفكري وكل ما خطر ببالهم لصد الداعيةr عن دعوته وسبيله، وفض أتباعه عنه.

والذي يعنينا في هذا البحث أن نستخلص من القرآن المكي (ما نزل قبل الهجرة) تلك الجهود الفكرية والشبه العقدية التي رمى بها صناديد قريش آنذاك في وجه الداعية رسول اللهr لتكذيبه، وتشكيك أتباعه بفكرهم لينفضوا من حوله.

 

1-   تهديد المشركين للأمن الفكري والوقاية منه

 

لقد رمى المشركون الدعوة الإسلامية وأهلها بكل ما لديهم من سهام الشبه، ولم يدخروا جهدا بالاستعانة بمن ظنوا فيه النصرة لهم من يهود المدينة، ونصارى الحبشة على رسول اللهr، فنبت سهامهم، بل وارتدت إلى نحورهم، وانثلم سيف حجتهم، فكانت المناظرة معهم بشارات أمن لفكر أتباعهr فزادتهم ثباتا، والتحق بهم آخرون، وسطع نور الإسلام في سماء قريش وما حولها لا يحول دونه حائل.

ورغم كثرة الشبهات التي أوردها المشركون، إلا أنها تتمحور في ثلاثة محاور:

 

المحور الأول: شُبه حول توحيد العبادة([18])   

 

مما أدهش العرب، وصعب عليهم إدراكه أن يجعل الإسلام الآلهة التي ورث العرب عبادتها عن آبائهم إلها واحدا، فقالوا: )أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ(([19]). وكانوا يواجهون صحابة رسول اللهr بمثل هذا الكلام ليزعزعوا ثقتهم بدينهم ورسولهم.

والغريب أن العرب آمنت بتوحيد الربوبية([20])، فوحدت الخالق الرازق لكل الكون بما فيه، فحريّ بمن فكر وتدبّر، وحكم فأنصف، أن يتوجه بالاعتراف لهذا الخالق بما هو عليه من القوة والجلال، وبالتالي شكره على نعمه الظاهرة والباطنة والخضوع له؛ فكان "موقفهم مبني على التناقض العجيب الغريب، بين إقرارهم بأن الله هو الخالق الرازق المالك المجير.. الخ.. وبين إشراكهم معه آلهة أخرى في الحب وفي طلب النصرة والعزة وفي الاستبشار"([21]).

قال تعالى في مخاصمتهم: )قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(([22]) أي:

- كيف تُصرفون إلى عبادة غيره بعد أن أقررتم له بكل هذه العظمة؟

- إن الإله الحق هو الذي يملك ويتصرف ويدبر، وغيره ضعيف باطل مربوب.

- )فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ(: فالله المعبود، هو الرب الخالق، شيء واحد لا انفصال فيه؛ فإن آمنتم بالرب الخالق لزمكم الإيمان به على أنه هو الله المعبود. قال ابن كثير: يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته و ربوبيته على وحدانية إلهيته([23]).

وترسيخا للحق وللمزيد من الوقاية من شبههم زاد سبحانه في الرد عليهم، فبين حقيقة ضعف الشركاء المزعومين. قال تعالى:)مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(([24]).

إنها لآلهة ضعيفة لا تستحق العبادة، وقال تعالى:)يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ . يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ(([25]). قال ابن كثير: أي من الأصنام والأنداد، يستغيث بها ويستنصرها و يسترزقها وهي لا تنفعه ولا تضره )ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ(. وقوله: )يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ(: أي ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن([26]).

وقال تعالى:)وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا(([27]). قال الزمخشري: الخلق بمعنى الافتعال، كما في قوله تعالى:)إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا(([28])؛ والمعنى: أنهم آثروا على عبادة الله سبحانه آلهة لا عجز أبين من عجزهم، لا يقدرون على شيء وهم يُفتعلون. لأن عبدتهم يصنعونهم بالنحت والتصوير.

)وَلَا يَمْلِكُونَ(: أي: لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها أو جلب نفع إليها وهم يستطيعون، وإذا عجزوا عن الافتعال ودفع الضرر وجلب النفع التي يقدر عليها العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور التي لا يقدر عليها إلا الله أعجز([29]).

ثم يكشف سبحانه حقيقة عناد المشركين، ليظهر للعالمين بأن كفرهم لم يكن بسبب ضعف حجج وبراهين الرسولr. لكنه الإعراض والعناد؛ ومما يدل على ذلك تلك الأوقات والأزمات الحرجة التي ينسون فيها عنادهم وذواتهم؛ ففي حالة الاضطرار وحموّ الهول تذوب شوائب الكفر وتُخترق حواجز القلوب، فينبعث الإخلاص في نفوس البشر فتؤوب النفوس إلى الذي فطرها مرة أخرى، في تلك الساعة فقط يعلمون ويدركون ما وصف الله به آلهتهم من أنها لا تسمع ولا تُبصر ولا تغني عنهم شيئا، قال تعالى: )هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ(([30]).

 

المحور الثاني: شبهات حول الرسالة

 

لم يكن للعرب من عذر في استبعاد الرسالة لعلاقتهم بأهل الكتاب، فهم يعرفون اليهود في المدينة، ولهم رحلات تجارية تصلهم بنصارى الشام، بل هم أنفسهم كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيمu، لكنه عناد الجاهلية البالية.

لقد دفعهم عنادهم هذا إلى بث شبه وأراجيف بوجه الرسولr، وبوجه أتباعه ليثنوا الرسولr عن دعوته، وليشككوا أتباعه به، وكان من أهم ماتفتقت عنه أحلامه التائهة:

1-  استبعاد أن يكون الرسول بشرا: قال تعالى: )لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(([31]). واستبعادهم هذا كان عجيبا؛ إذ كيف تستسيغ عقولهم أن يكون الإله حجرا، ويكبر عليهم أن يكون الرسول بشرا! فرد عليهم سبحانه ردودا كان لها الأثر في حماية فكر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أهمها:

- ضرورة المجانسة بين الرسول والمرسَل إليهم؛ إذ لا تقوم الحجة بغير ذلك فقال سبحانه: )قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا(([32]).

- ومن جهة أخرى بين سبحانه أن صفة البشرية في رسوله محمدr ليست بدعة، وإنما سنة كونية تعم جميع الرسل فقال: )وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(([33]).

2-  شككوا في حكمة الله في اختياره للرسول محمدr، فزعموا أن من عظماء العرب وأغينائهم من هو أولى منه بالرسالة، فقال الله عنهم: )وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ(([34]). وكان الوليد بن المغيرة يقول: لو كان حقا ما يقول محمد لنزل هذا القرآن عليّ، أو على أبي مسعود الثقفي (عروة بن مسعود)([35]). وحسب ما تربى عليه الإنسان الجاهلي الذي يقدس هذا الكلام تعد هذه حجة قوية كافية لزعزعة أفكار من التف حول الرسولr من الأتباع، وخاصة بأنهم لا زالوا في بداية عهدهم بالدعوة والفكر الجديد.

فبين سبحانه لهم بأن الميزان الحق مختلف عما اعتادوا؛ فقد يكون المال والجاه في غير مكانه، والرسالة بحاجة لمن تمتع بصفات أخرى عقلية وقلبية ونفسية وجسدية ونشأة وبيئة وغير ذلك مما الله أعلم به، ولو كان الاختيار كما يريدون لما استطاع هؤلاء أن يقوموا بواجب الرسالة أو الدعوة كما يريد سبحانه، فيكونون سببا في ضلال الناس وفشل الدعوة؛ وبالتالي لا تقوم بمثل هؤلاء الرسل الحجة على الخلق. ولذلك كان جوابه سبحانه: )أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(([36]). فإذا كان الله سبحانه من يوزع عليهم طعامهم، ولم يكله لأحد من خلقه يقسمه كما يريد، فكيف يأتمنهم على ما هو أعظم منه وأجلّ، وكان هذا الدليل مفحما؛ لأن العرب تؤمن بأن الله سبحانه هو من يوزع الأرزاق، قال تعالى: )قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(([37]). وقال تعالى: )أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(([38]).

 

3-   شككوا بالقرآن الكريم، وأثاروا شبهات منها:

ادعاؤهم أن القرآن ليس كتاب الله، وأنه كتبه محمد بطريقة ما مستعينا بالجن أو الإنس، وادعاؤهم أن القرآن سحر، وأنه من الأعاجم والشياطين، حتى إنهم اعترضوا على تنجيم القرآن الكريم. وكانت هذه الشبه غزوا فكريا يهدف إلى تحطيم عقيدة الصحابة رضوان الله عنهم، ولا يتسع البحث للرد على كل شبههم، ولكن سأتناول الأولى منها: وهي أنهr ألف القرآن منفردا أو مستعينا بأحد.

لقد كان الرد الإلهي صاعقا، إذ تحداهم سبحانه بوجوه إعجاز القرآن الكريم([39]). وهم أرباب البيان وأهل البلاغة والفصاحة بأن يأتوا بمثله، وليستعينوا بمن أرادوا من الإنس والجن، وكان التحدي على ثلاث مراحل:

- التحدي بكل القرآن الكريم: قال تعالى: )قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(([40]). فعجزوا أن يأتوا بمثل القرآن.

- التحدي بعشر سور: قال تعالى: )أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(([41]). فعجزوا كذلك.

- التحدي بسورة: قال تعالى: )وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(([42]).

وهكذا يكون الإعجاز مرتين: أما الأولى فبالقرآن. وأما الثانية فبالتنبؤ بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا ولو بسورة لا تزيد عن ثلاث آيات!

ومن أشهر الذين حاولوا معارضة القرآن مسيلمة الكذاب، إذ زعم أنه أوحي إليه قرآن كقرآن محمدr. ومن جملة ما جاء به:

- "ضفدع بنت ضفدعين، نقّي ما تنقين، أعلاك في الماء، وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون".

- "والمبديات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعترّ فآووه، والباغي فناوئوه".

وواضح أنها تركيبة طبخة الثريد!. وكان بمعارضته هذه التي لم يتبناها أحد لضعفها مثبتا عجز العرب وغيرهم عن معارضة القرآن الكريم. وقد روي أن أبا بكر الصديقy سأل أقواما قدموا عليه من بني حنيفة، سألهم عما يقول مسيلمة، فحكوا له بعض ما ذكرناه، فقال: سبحان الله، ويحكم إن هذا لم يخرج عن إلّ (إله)، فأين كان يذهب بكم([43]

وعجز العرب عن معارضة القرآن مما لا شك فيه؛ إذ إنهم ما لجؤوا إلى السنان إلا بعد أن أعجزهم اللسان، وسفكت بين الفريقين الدماء من خيرة الشباب والفرسان، وبذلت مهج الأرواح، فلو كانوا يقوون على معارضة القرآن، أما كان يكفيهم أن يكتبوا سطرا أو سطرين من مثل هذا القرآن ليثبت بطلانه، وتُطفأ نار حرب لها أول ولا آخر لها؟ وكان انهزام العرب هذا خير دليل على قوة البرهان الإسلامي، ومتانة الفكر والعقيدة، وخير معين وحصن لأمن فكر المسلمين.

 

المحور الثالث: شبه حول البعث بعد الموت

 

لقد بيّن الأنبياء السالفون الحشر والنشر، لكن ليس ذلك البيان بشرح وبسط، تضمنه القرآن العظيم، ولذلك ما كان جمهور المشركين مطلعين عليه وكانوا يستبعدونه([44]). قال تعالى عن لسانهم: )أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ . أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ(([45]

ووقاية للأمن الفكري ردّ سبحانه وتعالى على المنكرين للمعاد بخمسة براهين:

1 - دعوة المشركين إلى التفكر لمعرفة الحكمة من وراء الحشر، إذ عدم الحشر والحساب يعني أن الخلق كان عبثا. قال تعالى: )أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ(([46]). وقال: )أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ(([47]).

2- الاستدلال بالابتداء على الإعادة: فإن الإبداع وابتداء الشيء من لا شيء ومن غير مثيل سابق صعب جدا في القياس العقلي. فإذا ما تم هذا الاختراع سهُل على كثير من الناس تقليده وصنع مثله، مع أنهم لا يملكون تلك الكفاءة والخبرة التي قامت بالإبداع أول مرة. ولو أراد نفس المبدع أن يقلّد ويكرر ما صنعه بالمرة الأولى لكان هذا أسهل عليه بكثير ولحسّنه وجوّده أكثر من ذي قبل. قال تعالى: )وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(([48]) .

ولقد كان استدلاله سبحانه وتعالى بالنشأة الأولى قويا على مشركي العرب؛ لأن النشأة الأولى كانـت من علومهم ومعتقداتهم، فمقدمات المعادلة مسلّم بها، وما بقيت إلا النتائج الحكيمة المنصفة. قال تعالى: )وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا. قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا .أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا(([49]).

قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها؛ إذ لا شك أن الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد أولا ([50]).

وبعد هذا الجواب حادوا إلى غيره دون رجعة إليه، فحرّكـوا رؤوسـهم عاجزين وقالوا فيما نقـل الله عنهم: )فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ(؟ انتقلوا من الجدال في البعث إلى وقته وميعاده، وهذا دليل عجزهم عن الاستمرار في النقطة الأولى بعد البرهان الذي ساقه الله لدحض شبهاتهم وافتراءاتهم.

3- الاستدلال بأصل الإنسان: ولا مجادلة في قوة هذا الدليل، فإن أصل الإنسان نطفة، ماء ضعيف مهين. بل إن هذا الإنسان لو نظر بعد قوته إلى هذا الماء لنظر إليه باحتقار واستقذار، فكيف جعل الله منه هذا الإنسان في أحسن تقويم؟

قال تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا(([51]).

قال الزمخشري: وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة )لِنُبَيِّنَ لَكُمْ( بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا، ولا تناسب بين الماء والتراب، وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاما قدر على إعادة ما أبدأه، بل هذا أدخل في القدرة من تلك وأهون في القياس([52]).

4- الاستدلال بالقياس: إن أكبر مثال حيّ يصلح كبرهان للمنكرين لأمر غيبي، هو قياس ذلك الأمر على أمر حاصل على أرض الواقع المحسوس الملموس تحت أنظار العين المجردة، ومن هنا أجاب سبحانه وتعالى المشركين في استبعادهم الحشر بالقياس على إحياء الأرض، وما أشبه ذلك ([53])، فقال تعالى: )وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(([54]).

فالأرض كانت ميتة لا خضار فيها ثم انشقت وأخرجت هذه الأرواح الخضراء، ذات الألوان والبهجة، تتحرك وتترنح وترفع رأسها وتمد قامتها يوما بعد يوم، فإذا ما حان الأجل ودنا القطاف جعلها سبحانه هشيما تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرا. فالذي يفعل هذا أليس بقادر على أن يبعث هذا الإنسان من الأرض كما بعث النبات من الأرض؟

5 - الاستدلال بعموم القدرة: لم يكن أمر البعث أعظم من خلق السموات والأرض وتصريف الرياح والسحاب، وما إلى ذلك من الأشياء التي آمن المشركون بقدرة الله سبحانه عليها. ولذلك لم يكن هناك مبرر لاستبعادهم الحشر وإنكارهم الميعاد، ولقد ظهرت مخاصمة الله سبحانه لمنكري البعث بعموم قدرته بشكل جلي واضح في قوله تعالى: )قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ(([55]).

فهم يؤمنون أن الأرض بمن فيها لله وأنه سبحانه رب السماوات ورب العرش، وبيده ملكوت كل شيء. ثم يتعجبون من الحشر ويستبعدونه وهو دون ذلك بكثير.

أخلص من هذا إلى أن الوقاية من تهديدات المشركين للأمن الفكري كانت متمثلة:

1-   الردود المفحمة على كل ما يثيره الطرف الثاني من غزو فكري. وأضيف أيضا:

2-  لقد كان القصص القرآني الذي يذكر دعوات الرسل السابقين والحوارات والمناظرات التي كانت تدور بينهم وبين قومهم، وكانت مشابهة تماما لما يثيره العرب آنذاك. بمثابة اللقاح الذي يشكل مناعة للصحابة ـ رضي الله عنهم ـ. ويمثل لهذا بمناظرات موسىu مع فرعون([56])، وإبراهيمu مع النمروذ([57])، ونوح مع قومه([58])، وغير ذلك.

3-  التأصيل القرآني لأصول الاعتقاد بآيات كثيرة جدا في عشرات السور المكية، على مدار ثلاث عشرة سنة هي فترة المرحلة المكية. شكل رسوخا عميقا لمسائل العقيدة.

4-   ربط العقيدة بالخوف والرجاء: فجهنم تلوح للكفار، والجنة تزلف للمتقين، وكلاهما حياة لا موت فيها.

5-  ربط العقيدة بالجانب النفسي الأخلاقي، ومثال ذلك: تسمية الشرك ظلما([59]) فيكون التوحيد عدلا، والرسالة بالإنذار والبشارة([60]).

 

2-   العلاقة بين الوعي الوقائي المكي والعصر الحاضر

 

قد يقول البعض: إن زمن الأصنام قد ولى، وخطر المشركين انحسر بعد الإسلام، وعبادة غير الله لم تعد أمرا معقولا في هذا الزمن! والإجابة على هذا الكلام لن تستغرق أكثر من النظر إلى عدد سكان كوكب الأرض الآن إذ يبلغ نحو سبعة مليارات نسمة، وبأحسن الأحوال عدد المسلمين مليار ونصف المليار، وفي حال أخرجنا أهل الكتاب من أهل الشرك وتعدادهم لا يزيد عن تعداد المسلمين في الكوكب، نجد أن أكثر الكوكب لا يدين بديانات سماوية! مصداقا لقوله تعالى: )وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(([61]).

إذا تهديد المشركين لا يزال هو الأكبر، وهو الخطر الداهم على كل أصول الاعتقاد عند المسلمين، نفسها التي ناقشناها مع مشركي العرب، فالدين هو الدين وأصوله ثابتة، وغزوها ديدن المشركين في كل زمان ومكان، ولذلك قال تعالى: )كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون(([62]). وكأن كل أمة توصي من بعدها بنفس مواقفها من الرسل.

وعلى سبيل المثال:

- في بورما البوذية: لم تكتف الحكومة البوذية بكل ما تفعله من مضايقات للمسلمين من منعهم الحج والصلاة، وإلغاء الدراسات الإسلامية في المدارس حتى قامت بحملات إرهابية لإخراج المسلمين عن دينهم، وإجبارهم على اعتناق البوذية، فقد نشرت جريدة أخبار العالم الإسلامي 8/5/1978م. أن أكثر من 125.000 مسلم هناك تحول من الإسلام إلى البوذية عنوة وقهرا([63]).

- في كمبوديا: فقد قامت الحكومة الشيوعية سنة 1396هـ بشن الهجمات على الجماعات المسلمة وقتلت قادتهم كشيخ الإسلام في كمبوتشيا - عبد الله إدريس - وطردوا المسلمين من قراهم، فاضطرهم ذلك إلى الهجرة أو اللجوء إلى مناطق العزلة، وهدموا المساجد، ومنعوا المسلمين من استخدام لغتهم، وحرقوا كتب التراث الإسلامي، ومنعت السلطات الشباب المسلم ممن تزيد أعمارهم عن خمسة عشر عاما من الإقامة مع والديهم، وأجبروا على الإقامة في معسكرات الشباب الوثنية حتى يُضعفوا إيمانهم بالدين([64]).

-   في فطاني([65]): كان من السياسة التايلاندية ما يأتي:

1.    عملت الحكومة البوذية على تهجير المسلمين وتذويبهم في المجتمع البوذي الوثني.

2.  عملت على محو الطابع الإسلامي من البلاد بإرغام المسلمين على اتخاذ الأسماء والألبسة والتقاليد البوذية واستعمال اللغة التاهية (لغة تايلاند).

3.  عملت على توطين البوذيين في المناطق الإسلامية وبنت لهم أكثر من سبعين مستوطنة يسكنها حوالي 185 ألف بوذي.

4.  قامت بتصفية العلماء والدعاة جسديا، كما فعلت بالحاج محمد سولنج وابنه ورفاقه عام 1954م،... كما قامت القوات التايلندية بحرق (100) شاب مسلم في إقليم فطاني بالبنزين.

5.  حاولت ادخال الضلالات والشبهات على تعاليم الإسلام السمحة...في الكتب المقررة في المدارس الحكومية، وفي الترجمة التايلاندية للقرآن الكريم.

6.  يُعلم في المدارس مدرسون وثنيون، يُدرّسون الديانة البوذية مادة إجبارية في المرحلتين الإبتدائية والثانوية، كما أن الحكومة تفرض اللغة التاهية التايلاندية.

- وفي الهند: فقد جاء في دراسة بين عامي:1368-1405هـ / 1948-1985م: غير المجازر والتهجير، تستخدم الحكومة الهندوسية المقررات الدراسية لتشويه مبادىء الإسلام، فقد ورد في الصفحتين (217- 218) من الكتاب المقرر في مادة الحضارة تشويه متعمد لصورة الرسولr، حيث يصوره هذا الكتاب المقرر في المدارس الحكومية الهندية بأنه عليه الصلاة والسلام كان قاطع طريق، وأنه اقتبس مفاهيم الإسلام من اليهودية([66]).

وبالتالي: ما جرى بين المسلمين والمشركين في جزيرة العرب إبان البعثة لم يكن حالة طارئة، وإنما حالة دائمة بين التوحيد والشرك منذ أن هبط آدمu على هذا الكوكب، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وطالما أن الهجوم على أسس وأصول الدين الثابتة إلى قيام الساعة، فالوقاية التي تحصن بها الصحابة من هذا الغزو الفكري ستبقى صالحة لكل زمان ومكان. وإن كان لكل زمان وسائله.

 

ثانيا: الوعي الوقائي في القرءان المدني وحمايته للأمن الفكري

 

ما أن حطت قدما الرسولr في المدينة المنورة حتى ظهر غزاة جدد، فلكل بيئة ثقافة وفكر وفلسفة، ومع أن العدو القديم (المشركين) موجود في البيئة الجديدة، إلا أنه لم يكن ذا بال، وخاصة بعد غزوة بدر الكبرى غير المتكافئة، حيث خرج المسلمون لغير قتال، وبغير عدد كبير ولا عدّة معتبرة، إذ كان خروجهم لقافلة تجارية فحسب، ولكن الله سبحانه ساقهم ليجدوا أنفسهم في مواجهة جيش ضخم يعادل ثلاثة أضعافهم، وقد خرج للقتال بكامل عتاده ورجاله. ودارت الحرب وكان النصر المؤزر حليفا للعصبة المؤمنة القليلة، فغنموا كثيرا وأسروا كثيرا.

وكان هذا النصر المؤزر مدعاة لأن يغير كثير من المشركين مواقفهم من دعوة الإسلام، فقال ابن أُبي: "هذا أمر قد توجه"([67]). فأعلن إسلامه نفاقا، وتبعه غيره من المنافقين. واختاروا الحرب الباردة المستورة والتي يمثلها قول الشاعر:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة           ويروغ منك كما يروغ الثعلب

وأما العداوة العقدية والغزو الفكري في المدينة فكان أخطره من يهودها، وهم أهل الكتاب ولكلمتهم في الدين وزن وحساب في البيئة العربية؛ لأنهم أصحاب دين سماوي، فهم أدرى بما يدعيه محمدr .

وأما النصارى فهم وإن لم يقطنوا المدينة إلا أنهم وفدوا إليها بشبهاتهم كوفد نجران، ونزل فيهم من القرآن الكريم الكثير، ولهم ما لليهود من مكانة في باب الديانات السماوية. وقد كان العرب يحتكون بالنصارى من خلال رحلاتهم التجارية إلى الشام واليمن.

والذي يعنينا في هذا البحث أن نستخلص من القرآن المدني (ما نزل بعد الهجرة) أبرز الشبهات التي دار حولها الغزو الفكري لهذا الثلاثي (اليهود، المنافقين، النصارى) وكيف كانت الوقاية منها.

 

1-   التهديد اليهودي للأمن الفكري والوقاية منه

 

 لقد واجه الرسولr وأتباعه تهديد اليهود الفكري في المدينة المنورة، وكانت هذه أول علاقة بين الرسولr وأهل الكتاب، وقد كان المنتظر منهم أن يكونوا أول من يؤمن بهr نظرا لصلتهم بالرسل والتوحيد وباقي أصول العقائد التي دعا إليها كل الرسل ـ عليهم السلام ـ هذا من الجانب النظري، وأما من الجانب العملي فكان اليهود على عكس ذلك ألدّاء في خصومتهم للرسول الجديد، ورموا دعوته ومن آمن به بسهام الشبه والشكوك، ومنها:

 

أـ اليهود يشككون برسالة سيدنا محمدr:

لقد كان إنكار اليهود لرسالة نبينا محمدr أمرا في غاية الخطورة على أمن المسلمين الفكري؛ لأن اليهود أهل كتاب، ولكلامهم أثر على من آمن وعلى من لم يؤمن من المشركين الوثنيين، ومخاصمتهم في إنكارهم ودحض حججهم كان أمرا متحتما للوقاية من تهديداتهم.

لقد خاصم الله سبحانه اليهود على ما فرطوا في جنبه ثم في جنب رسوله الأمين، الذي كانوا يتوقون لخروجه ليعزهم بعد مذلة، وينصرهم بعد ضعف، قال تعالى: )وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ( ([68]).

وأهم النقاط الواردة في هذه المخاصمة هي التصديق لما معهم، فإن كتاب الله المنزل على رسوله لم يخالف ما معهم مخالفة جذرية، بل اتفق معه بالأصول؛ وهي التوحيد وأصول الشرائع. ومن جملتها صدق مواصفاته على ما كتب في كتبهم. ولذلك قال سبحانه في هذه الآية: )فَلَمَّا جَاءهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ(: أي إن المبعوث محمدًاr كان هو عين الرسول المصدق لما معهم، وهو نفسه الذي يستفتحون به؛ ولذلك قال تعالى: )مَا عَرَفُوا( أي: الذي عرفوه من قبل وليس غيره. فعنادهم له كان بطرًا للحق المعروف لديهم.

وأما سبب هذا الكفر بالرسالة فكان الحسد؛ لكونه عربيا )بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ(. وقد روى الطبري عن أبي العالية، وقتادة، والربيع، والسُّدّي قولهم في تفسير )بغيا(: بغوا على محمدr، وحسدوه وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل. فما بال هذا من بني إسماعيل؟ فحسدوه أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده([69]).

وقد أكد سبحانه معرفتهم لهr في آية أخرى، قال تعالى عن لسان اليهود: )وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(([70]). قال في عمدة التفسير: لا تطمئنوا وتظهروا سركم وما عندكم في التوراة من خبر محمد ونعته للمسلمين؛ فيخاصموكم به، ويحتجون به عليكم عند ربكم([71]). ولو رجعنا إلى هذه التوراة المحرفة اليوم لرأينا فيها بقية لتصديق الآية، إذ تذكر بشارات برسول اللهr:

جاء في سفر إشعيا: "ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمْخض؛ لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل قال الرب... ويرث نسلك أممًا ويُعمر مدنًا خربة... وكل بنيك تلاميذ الرب، وسلام بنيك كثيرًا"([72]).

فالمراد بالعاقر: مكة المعظمة؛ لأنها لم يظهر منها نبي بعد إسماعيلu، ولم ينزل فيها وحي بخلاف أورشليم (القدس)؛ لأنه ظهر فيها الأنبياء الكثيرون، وكثر فيها نزول الوحي. وبنو المستوحشة: عبارة عن أولاد هاجر؛ لأنها كانت بمنزلة المطلقة المخرجة عن البيت ساكنة في البر([73]). ولذلك وقع في حق إسماعيل وما وعد الله به هاجر كما تصوره التوراة أيضًا: "ها أنت حبلى فتلدين ابنًا. وتدعين اسمه إسماعيل؛ لأن الرب قد سمع لمذلتك. وإنه يكون إنسانًا وحشيًا يده على كل واحد ويد كل واحد عليه"([74]). فدل هذا على أن المقصود مكة ثم إسماعيل وأولاده، وباعتبار الرسول محمدr أول رسول في مكة بعد إسماعيلu فيكون هو المولود الذي أنجبته العاقر (مكة).

 

ب ـ إساءة اليهود إلى لملائكة

عندما ضاق المعبر على اليهود في رد رسالة الرسولr، ادعوا بأنهم لن يؤمنوا به بسبب علاقته بالملَك جبريلu! لأنه الملك الذي ينزل لتنفيذ أوامر الله في إهلاك الأقوام. وقد قال تعالى في شأنهم: )قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ. وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ( ([75]).

أجمع أهل العلم بالتأويل على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل وليّ لهم([76]). قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي اللهr يومًا فقالوا:... من وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك؟ قال: فإن وليّي جبريلu، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك؛ لو كان وليك سواه من الملائكة لتابعناك وصدقناك. قال: فما يمنعكم من أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا. قال: فعند ذلك قال الله عز وجل: )قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ( إلى قوله عز وجل: )كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ(، فعند ذلك باؤوا بغضب على غضب. الآية([77]).

وكان من الممكن أن تُهدد هذه الشبهة أمن المسلمين الفكري طالما أنها بدت من أهل كتاب يؤمنون بالله ورسله على ما يظنه بهم العرب! إلا أن الرد القرآني الحاسم، وترسيخ عقيدة المسلمين بأصول دينهم، وفضح القرآن لسوء طوية اليهود كان له الأثر في حماية أمن المسلمين الفكري. فقد خاصم الله اليهود المعاندين في جبريل، ورد مزاعمهم، وفضح أمراض نفوسهم، وكفرهم على صنيعهم هذا؛ إذ إن جبريل هو الذي جاء بالحق على قلب الرسولr. وقد امتازت هذه المخاصمة بالنقاط الآتية:

 

1- قوله تعالى: )فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ(: جواب الشرط )مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ( أي "إنه سبحانه بيّن أن هذه العداوة فاسدة؛ لأنه ما أتى إلا أنه أُمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذورًا. ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكورًا؛ فكيف تليق به العداوة؟"([78]).

2- إن أمر الله لا محيص من نفاذه، وكان من الممكن أن يأمر الله ميكائيل - صديق اليهود على حسب زعمهم!- بإنزال هذا الكتاب أو أي أمر آخر من الأمور التي يأتي بها جبريل، وعندها إما أن يعصي ميكائيل، وهذا لا يمكن؛ لأن الملائكة معصومون. أو أن يطيع فيكون مثل جبريل؛ وبالتالي لا وجه لتخصيص جبريل بالعداوة دون ميكائيل، بل عداوتهم الحقيقية مع إله جبريل وميكائيل!! واعتراضهم في الحقيقة اعتراض على الله المتصرّف بشؤون خلقه، ولذلك أكفرهم تعالى فقال: )فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ(.

3- في قوله تعالى: )مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ( توبيخ لليهود إذ ما جاء به جبريل كان كالذي عندهم من بقايا التوراة التي نزلت على موسى، فمعاداتهم له لا معنى لها في هذا الموطن بالذات. وتكذيب ما جاء به جبريل على محمدr هو تكذيب لما نزل على موسى أيضًا؛ لأن الخبر واحد. فتكذيبه على لسان محمدr يعتبر تكذيبا له على لسان موسى بطريق غير مباشر.

4- "يجب أن يكون جبريلu أفضل من ميكائيل؛ فإن جبريلu ينزل بالقرآن والوحي والعلم، وهو مادة بقاء الأرواح. و ميكائيل ينزل بالخصب والأمطار، وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل"([79]).

ومما سبق يتضح أن دعوى عداوة اليهود لجبريلu دعوى باطلة ملؤها الحقد، وما هي إلا وسيلة من وسائل غزوهم الفكري من جهة، ولتبرير مرض قلوبهم في حسد العرب على النبوة.

والوقاية من تهديد اليهود للأمن الفكري كانت:

· بما سبق وغيره من مناظرات مع اليهود قطعت كل الشبه التي أثيرت.

· بإثبات تحريف توراتهم التي في أيديهم، وأنها ليست هي توراة موسىu:

فإن إثبات القرآن الكريم تحريف التوراة التي أنزلها الله سبحانه على رسوله موسىu، كان وقاية عامة من هذا الغزو الفكري، ومن غيره، فقد سقط سلاح الشبهات الذي يعتد به اليهود، وثبت بأنهم ضيعوا رسالتهم، ولا تقوم الحجة بما في أيديهم على أحد لأنه محرف.

قال تعالى عن علماء اليهود: )فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُون(([80]). وقال: )وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(([81]). والتوراة شاهدة على نفسها بالتحريف بما فيها من تناقضات:

أ‌-  ففي سفر التثنية: "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه"([82]).مما لا شك فيه أن قائل هذا الكلام ليس موسى، وأن كاتبه في التوراة المنسوبة لموسىu هو رجل آخر غيره.

ب‌-  وجاء في سفر التثنية: "فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها"([83]) فلو كان موسى هو كاتب التوراة لما صح أن يكتب هذا الكلام عن نفسه.

ت‌-  وجاء في سفر التثنية: "فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب، ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فَغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم".([84]) فأي بهتان هذا أن يُقال: إن هذا الكلام من التوراة التي كتبها موسى بيده!

ث‌- وكذلك في سفر التثنية: "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه". مما لا شك فيه أن قائل هذا الكلام ليس موسى، وأن كاتبه في التوراة المنسوبة لموسىu هو رجل آخر غيره.

· التحذير من اليهود بشكل عام:

فبعد أن فُضح اليهود بفشل من تولى الحوار والمناظرة منهم، ولجؤوا إلى العناد، ظهر خداعهم وشرعوا في حربهم الباردة، فلم يعد يرجى منهم كثير خير، ولا يُنتظر منهم وفاء لعهد أو ذمة. بل لا يُتوقع منهم إلا كل خيانة ومكر ودسيسة؛ ليلهم تآمر، ونهارهم نفاق ومكر، وقد قال الله عنهم: )إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ. فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ( ([85]). ولما سلك اليهود هذا المسلك العفن المتآمر كان لابد من توقي شرّهم، ولذلك كثر تحذير الله منهم حتى أكفر من والاهم على دينهم، فقال:

)يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( ([86]). ولقد حَذِرهم رسول اللهr بعد أن رأى مكرهم وتجرؤهم على تحريف كتاب الله (التوراة) وكذبهم عليه. فقد قال زيد بن ثابت: أمرني رسول اللهr فتعلمت له كتاب يهود، وقال: إني والله ما آمن يهود على كتابي. فتعلمته، فلم يمر بي إلا نصف شهر حتى حذَقْتُهُ، فكنت أكتب له إذا كتَبَ وأقرأ له إذا كُتِبَ إليه([87]).

ثم قطع حبل الصبر عليهم بعد أن أيقن الجميع بأنهم داء وسوس ينخر في جسد الدولة الإسلامية الوليدة. فعن أبي هريرةt قال: بينما نحن في المسجد خرج النبيr فقال: انطلقوا إلى يهود. فخرجنا حتى جئنا بيت المدْراس فقال: أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض. فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه، و إلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله([88]).

 

2-   تهديد المنافقين للأمن الفكري والوقاية منه

 

إن المنافقين أشبه ما يكونون بجرثومة تعيش في جسم لتفسده ولتخضعه لما تريد، وإن البشرية عبر عصورها عانت وتعاني من هذا الصنف من الناس أيما معاناة، وتكبدت بسببهم خسائر أيما خسائر.

وما أحسن تعبير ابن القيم عن تخريبهم ومكرهم حيث قال: فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخرّبوه! وكم من عَلَم له قد طمسوه! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه! وكم ضربوا بمعاول الشُّبه في أصول غراسه ليقلعوها! وكم عمّوا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها!. فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية. ويزعمون أنهم بذلك مصلحون: )أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ(([89]). ولذلك جعلهم الله أعدى أعداء الدين والمسلمين فقال: )هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(([90]).

وقد تزعم حرب المنافقين في صدر الإسلام عبد الله بن أُبي بن سلول، فكانت عينه داخل الجسد الإسلامي، ويده بيد أعداء الدين المتربصين به في الخارج، ومعلوم جدا ما ذكرته السيرة النبوية عن سيرة المنافقين([91]) مع المسلمين من جهة ومع يهود بني قينقاع ثم مع يهود بني النضير وقريظة والمشركين في مكة من جهة أخرى.

 

تعريف النفاق لغة: (نفق): النون والفاء والقاف أصلان صحيحان، يدلّ أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، والآخر على إخفاء شيء وإغماضه. ومتى حُصّل الكلام فيهما تقاربا. ولعل معنى الخروج هو المعنى الذي يجمع بين الأصلين الصحيحين لمادة (نفق).

وقيل: إنما سمي منافقا لأنه نافق كاليربوع([92]) وهو دخوله نافقاءه. وهذا الثاني هو ما رجّحه ابن منظور وصاحب معجم مقاييس اللغة ومجمع اللغة العربية في مصر. وكذلك القرطبي. فيقال لليربوع: قد نفق به ونافق، وله جحر آخر يقال له القاصعاء. فإذا طُلب قصّع فخرج من القاصعاء، فهو يدخل في النافقاء، ويخرج من القاصعاء، أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النافقاء، فيقال: هكذا يفعل المنافق، يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه([93]).

 

تعريف النفاق اصطلاحا : النِّفاق بالكسر: فعل المنافق. والنّفاق: الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر، وعلى هذا نبّه تعالى بقوله: )إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(([94]) أي الخارجون من الشرع. وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى الشرعي: وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه. قال تعالى: )وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(([95]). قال الكرماني: النفاق علامة عدم الإيمان، والنفاق لغة: مخالفة الباطن للظاهر. فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه([96]).

 

ومن أبرز أهداف المنافقين من النفاق:

1- التسلل عن طريق النفاق إلى مراكز الحكم ومقاليد الأمور، إشباعا لشهوة حب الظهور والعظمة.

2- اختراق الصف الإسلامي لحرب الإسلام والمسلمين من داخل صفهم وجسدهم. ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من بلاء عظيم قد يودي بكل ما يبنيه المسلمون لو غفلوا عن المنافقين، وتاريخ الأمة مليء بالمآسي التي كان خلفها المنافقون ولا يزالون.

ولما كان تهديد المنافق مستور الحال، يتترس بكلمة التوحيد، كانت الوقاية في القرآن الكريم بفضح أساليبهم الخفية الماكرة في تهديد الأمن الفكري، ومن أهم ما تناوله القرآن الكريم عنهم:

 

أـ الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف:

وفي هذا تحريف للمنهج الفكري الذي تقوم عليه جماعة المسلمين، بل تنكيس له وقلب. قال تعالى: )الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(([97]).

فهم يدعون إلى الكفر والمعصية والتمرّد على الشرع الإلهي والرسالة، مستغلين في ذلك كافة الوسائل الإعلامية، وفوقها السلطان إن كان في يدهم. ومع هذا ينهون عن المعروف عن الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ينهون عن الطاعات ويتواصون بالمعاصي، ينهون عن الفضيلة وينشرون الرذيلة، ينهون الناس عن تمسكهم بالمنج الإلهي المعصوم ويدعونهم إلى مناهج أرضية شهوانية ضالة عن مصلحة الإنسان، تسير به إلى ضنك الدنيا وخسران الآخرة.

وكل صفة من هذه الصفات هي فسق وشطط عن المنهج الإلهي، ودين الفضيلة والتوحيد. فكيف بهم وقد جمعوا كل هذه الصفات؟ فلا شك أنهم قد أصابوا من الفسق حظا عظيما جدا!.

قال الزمخشري: )هُمُ الْفَاسِقُونَ( هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير([98]).

ومن أمثلة أمرهم بالمنكر تروجهم للفاحشة، فها هو عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين - وأحد المؤسسين لتجارة البغاء التي لازالت حربا على الديانات والقيم إلى يومنا هذا - يأمر جاريتيه بالزنا ليجمع من البغاء عرضا من الدنيا قليل. فقد أخرج مسلم بسنده عن جابرy قال: كان عـبـد الـلـه بن أبي بن سلول يقول لجارية لـه: اذهبي فابتغينا شيئا. فأنزل الله عز وجل: )وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ(([99]). وفي رواية أخرى: إن جارية لعبد الله بن أُبي بن سلول يقال لها مُسَيكة، وأخرى يقال لها: أمَيمَة، فكان يكرههما على الزنا فشكتا ذلك إلى النبيe فأنزل الله...الآية([100]). فالاقتصاد والاتجار في الإسلام مؤَمّنان فكريا، لهما عقائد وضوابط من الأخلاق تمنع من الطغيان والفساد في الأرض. وكان في هذا الفضح لهم، وقاية عظيمة من سوء أخلاقهم ومبادئهم.

 

ب ـ التحاكم إلى الطاغوت

إن التحاكم لغير الله سبحانه لا يهدد الأمن الفكري في الإسلام فحسب، بل ينسفه نسفا ويلقي بصاحبه خارج دائرة الإسلام: قال تعالى في حديثه عن المنافقين: )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا(([101]).

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبيe ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ثم إنهما احتكما إلى رسول اللهe فحكم لليهودي فلم يرضَ المنافق بقضائه وقال: نتحاكم إلى عمر([102]).

 وفي آية مماثلة يقول سبحانه عن المنافقين ومحاولتهم تغيير عقيدة التحاكم إلى الله: )وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ . وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ . أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(([103]). فأوضح سبحانه من خلال الآيات بأن التحاكم إلى غير الله كفر؛ لأن التحاكم لشرع الله من لوازم التوحيد. وكان في هذا التبيين ردّ عليهم ووقاية منهم.

 

ج ـ الطعن بالرسولr

إن أي تشكيك أو تلميح على شخصية الرسولr يعد تشكيكا بالرسالة، ولذلك ينظر إلى هذه السهام على أنها مصوّبة باتجاه الأمن الفكري العقدي للمسلمين، تأتي بطريقة ذكية وغير مباشرة من جهة المنافقين، ومن ذلك:

- اتهامهم الرسولe بالظلم: قال تعالى: )وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ([104])(. أخرج البخاري بسنده عن أبي سعيدy قال: بينما النبيe يقسّم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه. قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية... قال: فنزلت فيهم: )وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ(([105]). وهذا تشكيك وغزو فكري يستهدف الحط من شخصية الرسولr. فبين سبحانه بأن هذا التشكيك ينطلق لخدمة مصلحة شخصية، وهو عار عن الصحة والاعتبار.

- اتهام الرسولe بالسذاجة: إنها لمأساة كبيرة عندما يفسّر الحلم ضعفا، والتريث والإمهال لأجل المصلحة العامة سذاجة وغباءً، بل إنها لمأساة يصعب حلّها عندما يتطاول الغبي على الحكماء، والجاهل على العلماء، وعندما يظن قليل العقل والخبرة بأنه أذكى من الفطناء والعقلاء!

قال تعالى في المنافقين: )وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ([106])(. الأُذُن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد. سمي بالجارحة التي هي آلة السماع، كأنّ جملته أذن سامعة([107]).

وكان رده سبحانه: أي هو أُذن خير ورحمة، لا يسمع غيرهما ولا يقبله. ثم فسر كونه أُذن خير بأنه يصدق بالله، لما قام عنده من الأدلة، ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار، وهو رحمة لمن آمن منكم، أي أظهر الإيمان أيها المنافقون، حيث يسمع منكم ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يكشف أسراركم ولا يفضحكم ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين([108]).

إلا أنه لا يعرف الفضل لأولي الفضل إلا أولو الفضل، ولذلك لم يُقدّر المنافقون هذا الخلق الإسلامي الذي ببركته عاشوا بين الأحياء، ولم يشكروا رب هذه النعمة فيؤمنوا، بل ازدادوا في كفرهم وطغيانهم، وكما قال المتنبي([109]):

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته          وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

 

د ـ تشكيك المسلمين بدينهم

هذا أهم هدف عند المنافقين، إلا أن دور منافقي المشركين لم يؤبه له من هذه الناحية بالذات؛ لأنهم أهل أوثان أصلا، ولا يمتلكون فلسفة في الأديان السماوية تؤهلهم لممارسة هذا الغزو، وإن كانوا لم يدخروا جهدا في ذلك، ولكن الذي تولى التنظيم لهذه المهمة منافقوا اليهود!

فقد ضعفت حجة اليهود في حوارهم ومحاجّتهم مع القرآن، فقد نبا سهمهم، وسُقط في أيديهم، وتفرقت بهم السبل، وضاق عليهم المعبر. ولم يجد بعضهم بدًا من إطلاق كلمة الإسلام، والشهادة لمحمدr بالرسالة. لكنها كلمة غصت بها حلوقهم ولم تتجاوز الحَنجرة!

وقد قال تعالى فاضحًا لمؤامرة اليهود: )وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا ءامَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ( ([110]). قال الطبري ـ ونقله عن قتادة والسُّدّي وابن عباس وابن زيد ـ: وإذا جاءوكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون من اليهود، قالوا لكم: آمنا بما جاء به نبيكم محمدr، وفي الحقيقة هم مقيمون على الكفر دخلوا إليكم به وخرجوا به([111]).

ثم إن النفاق عند اليهود أخذ طابع التنظير والتخطيط الهادف إلى إفشال الدعوة، عن طريق تشويه صورتها وتشكيك عامة الناس بها. ولذلك تواصوا بالإيمان نفاقًا في أول النهار، والكفر في آخره؛ ليظن المؤمنون أنهم ما خرجوا من الإسلام بعد أن دخلوا فيه إلا لأنهم قد اطلعوا على نقائص فيه وعيوب! فيشك الناس في الرسالة وينفروا عنها! ففضح الله سبحانه وتعالى مكيدتهم المبيتة وقاية للمؤمنين فقال: )وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ءامِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءامَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ([112])(. ولفت نظر الصحابة إلى هذه الأساليب يولد لديهم المزيد من الحذر والوقاية.

 

هـ ـ تأسيس مراكز للغزو الفكري (مسجد الضرار)

قال تعالى: )وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ . أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(([113]). فقد بنى المنافقون بهدف حرب الإسلام والمسلمين هذا المسجد، لعقد مؤتمراتهم وتلقي ما يأتيهم من مراسلات خارجية([114]). والغريب في الأمر أنهم لم يبنوا كنيسة، ولا بيعة، وإنما مسجدا! ليكون بناء منافقا يختلف ظاهره عن باطنه، كحالهم بالضبط.

 

ومن باب الوقاية من هذا الغزو:

§ أفهمنا سبحانه أن المنافقين ومن وراءَهم قد يقدموا على خطوات خيرية في ظاهرها، فينبغي أن ننظر لها بعين الريبة؛ لأنها لاتنسجم مع معتقداتهم وسلوكهم. فكيف يبنون عروش الدين وأركانه وهم المحاربون له ولأهله. فانظر إلى مسجدهم كيف وصفه سبحانه: )ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ(.

§ منع سبحانه رسوله من إعطائهم التزكية والمباركة لمؤسساتهم فقال له: )لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ(.

§ ولم يكتف بهذا حتى هدم مسجد الضرار ليكون عبرة وإنذارا لكل مؤسسة منافقة داخل الجسد الإسلامي.

§ أعلم الله سبحانه وتعالى رسوله عن أماكنهم فقال: )وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ(([115]). قال الزمخشري: يعني حول بلدتكم وهي المدينة )مُنَافِقُونَ( وهم: جهينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا نازلين حولها([116]).

§ تحذير الله سبحانه منهم بكشفه عن صفاتهم، ليُعلم بأنهم ليسوا من النوع الهين اللين البسيط، بل قد يكونون على كفاءة عالية في حسن المنطق والحوار، وحسن المظهر والجمال، وليأخذ لهم الصحابة الأهبة والحذر، قال سبحانه: )وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(([117]).

§ تطهير المدينة من حليفهم الاستراتيجي (اليهود) بإجلاء بني قينقاع وبني النضير وقتل بني قريظة وفتح خيبر. فتقطعت معظم الحبال التي كانوا يلعبون عليها.

§ أمر سبحانه بالزهد بما عندهم فقال: )فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ(([118])؛ لأن الطمع بهم مدعاة للوقوع بشراكهم وغزوهم.

§ التحذير من أخلاقهم: قال تعالى بـعـد أن ذكـر اعـتـزاز الـمـنـافـقـيـن بأموالهم وأولادهم: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(([119]).

§ تهديد المنافقين ورميهم عن قوس واحدة، قال تعالى: )لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا . سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(([120]). ولما كان المنافق ولاؤه لخارج بلده هددهم سبحانه بحرمانهم منها، لينتقلوا إلى صفهم الحقيقي. والهدف من هذا هو الردع لوقاية أمن وفكر المجتمع المسلم من شائعاتهم وغزوهم.

ولخطورة غزو المنافقين لم يرض سبحانه الاختلاف في شأنهم، وأمر بوحدة الصف في مواجهتهم فقال: )فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا(([121]). وهناك خلاف في سبب نزول هذه الآية إلا أن الروايات تتفق على المعنى الذي ذكرته([122]).

 

3-   تهديد النصارى للأمن الفكري والوقاية منه

تهديد النصارى للأمن الفكري هو الأخطر بين الجميع، وذلك لاعتمادهم التبشير بدينهم على العكس من اليهود، وكون النصارى أهل كتاب وفلسفة في الدين؛ جعل غزوهم الفكري من النوع الدقيق الذي يحتاج للوقاية منه إلى ردود حاسمة، وعقيدة راسخة، وثقافة واسعة، وسيتناول البحث هذا المحور من خلال العناوين الآتية:

 

                أ‌-ـ  غزو النصارى الوثني

 

يعتقد النصارى بالشيء ونقيضه! إذ يعتقدون بأن الله واحد وثلاثة في آن واحد!. وهذا ثابت عنهم، لا ينكرونه، فإن الكنائس من كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانية وغيرها تختلف في الفروع، أما الأصول كألوهية المسيح والتثليث فليست موضع خلاف اليوم([123])، كما أنه مدوّن عندهم في إنجيلهم:

- رسالة يوحنا: "فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الأب والكلمة وروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد"([124]).

- رسالة بولس: "وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة"([125]).

قال الفخر الرازي: أما النصارى فإنهم يثبتون الحلول والاتحاد، وذلك كفر قبيح جدا، فثبت أنه لا فرق بين هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين([126]). ولذلك حذر الله من عقيدتهم وفكرهم مبينا أنه كفر ووثنية:

قال تعالى: )وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(([127]). فأثبت سبحانه بأن البنوة لله عقيدة وثنية قديمة، وهذا إعجاز غيبي لأن القول بالثالوث أقدم عمرا من النصرانية ومن عيسىu، ونحن وإن كنا لا نجزم ببداية معينة لذلك ولكن هي قبل المسيح بأكثر من ألف سنة.

قال موريس: كان عند أكثر الأمم البائدة الوثنية تعاليم دينية جاء فيها القول باللاهوت الثالوثي: (أي إن الإله ذو ثلاثة أقانيم)([128]). ولعل البابليين هم أول من قال بالثالوث؛ وذلك في الألف الرابع قبل الميلاد...وقد قال بهذا الهنود قبل المسيح بأكثر من ألف سنة([129]). وقال به أيضا اليمنيون في دولتهم المعينية (1200-630ق.م) تقريبا([130]).

 

             ب‌- ـ عقيدة الصلب:

 

الصلب هو المحور الذي يدور عليه الدين عند النصارى؛ إذ يعتقدون أن آدمu عندما أكل من الشجرة في الجنة غضب الله عليه وعلى أولاده من بعده([131])، وصارت جهنم مأوى البشرية جمعاء بما فيها الأنبياء والرسل! ولما كان الله رحيما بعباده، أنزل ابنه عيسى الوحيد ليصلب على الأرض فداءً للبشرية، وتخليصا لها وللأنبياء والرسل من جهنم([132]).

وإثبات الأناجيل للصلب يثبت هذه العقيدة عندهم حيث جاء فيه: "ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة، ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: إيلي، إيلي، لم شبقتني؟ أي: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟... فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح"([133]).

ولم يكن هناك بد من رد هذه العقيدة، لما فيها من تناقض مع الحقيقة التي جاء بها القرآن الكريم وهي رفع المسيح حيا إلى السماء: قال تعالى: )وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(([134]). فنفى سبحانه عنه القتل والصلب، وأثبته للشبيه([135]).

ومن غرائب الأناجيل أنها تثبت هذا الرفع بلا موت للمسيح في أكثر من مكان:

1- قال عيسىu: "وأما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي؟ لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم. لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق"([136]). فعبر بالانطلاق وليس بالقتل، وبالمضي إلى الذي أرسله، وهو الله سبحانه.

2- "قال لهم يسوع أيضا: أنا أمضي وستطلبونني، وتموتون في خطيتكم. حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا: فقال اليهود: أَلَعَلَّه يقتل نفسه حتى يقول: حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال لهم: أنتم من أسفل. أما أنا فمن فوق"([137]).

هذا بالإضافة إلى عدم وجود دليل على هذا الصلب والروايات التي عندهم لا سند لها([138]).

وقد مضى في الآية الكريمة أن النصارى مقلدون للمشركين في هذه العقيدة (البنوة لله والصلب): )يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ(. يقول خوجة كمال الدين: وكان (باخوس) هو أول من قال إنه ألف العالم وياؤه، وإنه (مخلّص) الجنس البشري، وقد وضعته أم عذراء في 25 ديسمبر، وضحى بحياته في يوم الجمعة السابق على أحد الفصح، وقام في ذلك اليوم المشهود. وقد نقل القديس بولس ومن جاء بعده قصة (الآلام) بحذافيرها عن هؤلاء... ولم يمض على وفاة المسيح قرن أو قرنان من الزمان حتى... صار أشبه شيء بمعبد يحتفظ بكافة مظاهر الديانات القديمة، ودخلت في دينه الطاهر البسيط كافة العقائد الوثنية التي كانت منتشرة في الهند واليونان وفارس ورومية قبل مولده بآلاف السنين([139]).

وعندما يدرك الصحابة وباقي العرب أن النصارى مقلدون لمشركي العرب في وثنيتهم، سيكون هذا وقاية لهم من غزو النصارى الفكري، وتبقى هذه الوقاية على مر الزمان تؤيدها مثل هذه الاكتشافات عن عقائد الديانات القديمة.

 

             ت‌- ـ إنكار رسالة رسولنا محمدr

 

النصارى متفقون اليوم على إنكار رسالة رسولنا محمدr، ولما كانوا أهل كتاب كان لإنكارهم اعتبار وتهديد للأمن الفكري لدى المسلمين وباقي الناس، ولا بد من الوقاية بالإثبات، والإثبات كان بالمعجزة القرآنية على الجميع، إلا أنه سبحانه نص في القرآن الكريم على أن عيسىu كان قد بشّر قومه برسالة رسولنا محمدr من بعده، قال تعالى: )وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ(([141]).

وكذلك هذه البشارة ثابتة في إنجيل برنابا: "ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس تُزال عني هذه الوصمة"([142]). والمقصود بالوصمة  ادعاؤهم الصلب. ويقول ابن تيمية رحمه الله: وقد رأيت أنا من نسخ الزبور ما فيه تصريح بنبوة محمدe باسمه، ورأيت نسخة أخرى بالزبور فلم أر ذلك فيها([143]). إذًا حرف أهل الكتاب البشارات برسولنا، ولكن بالرغم من ذلك بقيت منها بقية تدل عليها:

1- قال عيسىu: "لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذاك يبكّت العالم على خطيّة وعلى بر وعلى دَينونة"([144]). والذي جاء بعد عيسىu محمدr .

2- عيسى يبشر بالمعزي ويقول: (آخر) أي على غيره؛ وهذه فيها إشارة إلى أنه من جنسه فيكون رسولا مثله وهو رسولنا لأنه يمكث إلى الأبد أي دينه يمكث إلى قيام الساعة إذ لا نبي بعده. قال عيسى: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد"([145]). وأصل كلمة (المعزّي) في العبراني: (بيركليت)، ومعناها: (أحمد)، أو الوسيط بين شيئين؛ مثل الرسول؛ لأنه وسيط بين الله وعباده([146]).

-  ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن الوقاية من الغزو الفكري النصراني تتلخص بالأمور الآتية:

أ‌-   التركيز على عقيدة التوحيد بالمفهوم الإسلامي له.

ب‌- الرد على شبه النصارى الشركية ردودا قاطعة للحجة

ت‌- التأكيد على صحة الرسالة المحمدية، وأنه موجود في كتابهم.

ث‌- الكشف عن تحريفات النصارى في محاولة منهم لإخفاء الرسالة المحمدية.

ج‌- إظهار خرافة صلب المسيح، التي يقوم عليها دين النصارى، والانتصار للحقيقة الإسلامية بالرفع وعدم الصلب.

ح‌- بقي شيء هو أن الله سبحانه أثبت أن النصارى حرفوا الإنجيل الذي أنزله على رسوله عيسىu، وبالتالي لا حجة فيما لديهم من كتاب يزعمون أنه من عند الله افتراء عليه. وقد مضى شيء من هذا وأزيد الآن لمزيد من التوضيح بعض الأسطر:

لقد فضح سبحانه تحريف النصارى لكتابه، ليبطل احتجاجهم بكتابهم، ويحفظ المسلمين من غزوهم الفكري فقال: )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا(([147]). وقال: )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(([148]).

وقد سبقت الإشارة أُثناء الردود إلى تحريفهم وأضيف هنا شيئا من تناقض الإنجيل:

- الصلب الساعة السادسة: "وكان استعداد الفِصح. ونحو الساعة السادسة فقال لليهود: هو ذا ملككم. فصرخوا: خُذه خُذه اصلبه"([149]). وفي مكان آخر الساعة الثالثة: "وكانت الساعة الثالثة فصلبوه"([150]). ومن جهة أخرى فإن النصارى اليوم لايوجد في أيديهم ما يسمى بإنجل عيسىu.

خ‌- وتبقى المعجزة القرآنية تتحدى جميع الخلق من أهل كتاب وغيرهم، وتثبت رسالة الرسول محمدr، وصدق ما جاء به.

 

4-   العلاقة بين الوعي الوقائي المدني والعصر الحاضر

إن العلاقة بين الوعي الوقائي زمن البعثة المحمدية، وبين عصرنا الحاضر جد وثيقة، فإن مَن أثار هذه الشبه في ذلك الزمان، لا يزال يثيرها في هذا الزمان، ويعتقد نفس العقائد، ولا يزال الحقد على شريعتنا وديننا سيد الموقف.

·          فإن اليهود لم يكونوا مجموعة عاشت ثم انقرضت، فلا زالت اليهودية ذات مركز كبير، وتأثيرها العالمي أكبر، يعرفه المتابع للأحداث العالمية، كما يعرف المتابع مدى الحقد الذي يكنه اليهود للإسلام والمسلمين، وكيف أنهم يعكفون من خلال الاستشراق اليهودي بث الشبهات والشكوك حول أصول الدين الإسلامي، ولعل الكثيرين قد سمعوا عن جولد زيهر(1850-1921م): وهو مستشرق يهودي مجري، اعتنى بالعلوم الدينية الإسلامية، عرف بعدائه للإسلام وبخطورة كتاباته عنه، ومن محرري دائرة المعارف الإسلامية، وقد شكك برواية السنة وتفسير القرآن والقراءات القرءانية، ومن مؤلفاته: كتاب المذاهب الإسلامية، ترجمة د. محمد يوسف موسى. و تاريخ مذاهب التفسير، والعقيدة والشريعة([151]).

و ريجي بلاشير(1900-1973) مستشرق يهودي، ولد في باريس، وهو معروف بترويج الشبه حول القرآن وعلومه، ومن كتبه: ترجمة القرآن إلى اللغة الفرنسية، و تاريخ الأدب العربي منذ البداية حتى نهاية القرن الخامس عشر([152]).

- و دافيد صمويل مرجليوث David Samuel Margoliuth, (1274 - 1359 هـ = 1858 - 1940 م) و هو مستشرق يهودي إنجليزي، من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، والمجمع اللغوي البريطاني، وجمعية المستشرقين الألمانية.حاقد متعصب ضدّ الاســـلام , عاش ما بين 1858 -1940، حيث كان من أهدافه هدم العقيدةالإسلامية([153]).

وإذا كان القرآن الكريم قد حسم شبههم إبان نزوله، فلا يزال الجهاد لسحق شبههم في هذا الزمان معقودا على المسلمين، والمسألة صارت أوسع من ذي قبل بكثير. وبالتالي فإن الوقاية من غزوهم في هذا الزمان تتطلب منا دراسة وفهما لعقيدتهم ولدور القرآن الكريم في حسم هذه الشبه، فهي لا تزال تدور حول أصول ديننا الحنيف ولكن بأساليب أكثر تطورا وحداثة.

·          وإن المنافقين كذلك لم ينقرضوا، ولم تنقض مصالحهم، ولا زالت بلاد المسلمين تصيبها النكبات من مكرهم، وخذلانهم، ووسوستهم. يقول الشيخ عبدالرحمن الدوسري: وفي زمننا هذا ازدهرت تجارة المنافقين، وراجت بضاعتهم، وكثر أتباعهم، فأشادوا مساجد الضرار هنا وهناك [على شكل قناة فضائية، ومجلة، ومركز ثقافي، وجامعة وغير ذلك من فنون هذا الزمان]، وذرفوا دموع التماسيح على الإسلام وأهله، وتظاهروا بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!.

وما نجح المنافقون في تحقيق أهدافهم وخططهم إلا بسبب تفشي الجهل وفقدان الوعي عند معظم المسلمين، فما عاد كثير منهم يفرق بين الغث والسمين ولا بين النافع والضار ([154]).

وبالتالي فالوقاية منهم اليوم تكون بمعرفة صفاتهم وأهدافهم التي ذكرها القرآن الكريم، والاستفادة من الطرق التي تعامل بها القرآن الكريم والرسولr معهم، وتطويرها بما يتناسب مع ثقافة اليوم.

·          وأما النصارى: فإن كان بعض اليهود في الاستشراق الذي من أكبر أهدافه تشكيك المسلمين بدينهم ، فالبقية الكاثرة من النصارى، وما ألف من كتب وندواة وأبحاث عنهم يفوق الحصر، ويكفي أدنى اطلاع على موسوعة المستشرقين لعبدالرحمن بدوي لتظهر جيوش المستشرقين اللاهثة لتشكيك المسلمين بدينهم، إضافة لما يوجد اليوم من قنواة فضائية متخصصة لغزو المسلمين في عقيدتهم.

وللوقاية من كيدهم فلا بد من دراسة الحلقة الأولى من النزال مع هذه الفرقة، تلك المرحة التي شهدها فجر الإسلام، وأبلى فيها بلاء حسنا، فقطع حججهم، وأرسى أصول الدين، ولم يكن لهم أي تأثير، ولم يعلم أن صحابيا تنصر بسبب شبههم زمن الرسولr، وبفهم تلك الحجج والبراهين، وتطويرها بوسائل اليوم نكون قد حصّنا فكر شبابنا ومجتمعاتنا من كيدهم.

 

ثالثا: أهم ركائز الوعي الوقائي في القرءان الكريم            

إن المغزى من معرفة هذه الركائز في القرآن الكريم، هو أنها متكررة في كل زمان ومكان مع ما يضاف إليها في كل عصر، فإن القرآن الكريم هو نفسه، وإن الفرق التي كانت تحاربه هي نفسها لا زالت تحاربه، وإن الأسس العقدية التي كانت تتعرض لذلك الغزو هي نفسها الأسس اليوم، وبالتالي معرفة ركائز الوقاية في القرآن الكريم يعدّ مددا لنا في هذا الزمان، وبخاصة أننا نؤمن أن القرآن الكريم هداية لنا في كل زمان ومكان، وجاء ليبقى إلى قيام الساعة، ولم يكن يوما من الأيام محصورا بزمن محدد. ولا يمكنني حصر ركائز الوعي الوقائي في القرآن الكريم، فإن القرآن لا تنقضي معانيه وعجائبه، وإنما هي إلمامة تليق بحجم هذا البحث. ومن هذه الركائز:

 

1-   كشف أساليب الغزو الفكري وأهدافه

لقد حذر القرآن الكريم، المؤمنين به من الغزو الفكري الموجه من غير المسلمين، سواء أكانوا منافقين سريين أم أعداء مجاهرين، وبين سبيل المجرمين ليتقوها فقال: )وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ(([155]) ومما بينه سبحانه من أساليبهم في غزوهم الفكري:

· حرب الإشاعة: وأكثر من يصلح لبثها المنافق داخل الصف الإسلامي، فيحدثنا سبحانه عن اتهام ابن أبي رأس النفاق في المدينة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالإفك([156]) فيقول: )إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ . لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ . لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ . وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ . وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ . يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(([157]). وفي هذه الآيات الكريمات بين لنا سبحانه أساليب الوقاية من الإشاعة بما يأتي:

أـ المبادرة وقت سماع الإشاعة إلى حسن الظن بالصف الإسلامي وبشكل أكبر بقيادته. فقال: )لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ...(.

ب‌- المبادرة إلى التكذيب مالم تعرض له الأدلة مقرونة بما يشاع؛ لأن سوء الظن بالخصم والعدو مقدم على حسن الظن، وعكس ذلك بما يخص الصف الإسلامي: )وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ(. طلبَ قول هذا وقت السماع المجرد عن الدليل.

ت‌- طلب الدليل والتثبت وقت السماع. وبمعنى آخر تلقي الأخبار حسب الأصول العلمية من التثبت وطلب البينات، وإن كان هذا مطلوبا داخل الصف الإسلامي، فمن باب أولى أن يطلب من الأعداء. )لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ(.

ث‌- التخويف والتحذير من أن الخوض ببعض الإشاعات مدعاة لغضب الله وعذابه: )لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(.

ج‌- عدم التكلم بما سمع من إشاعات حتى تثبت أولًا، ثم حتى يتبين المصلحة والخير في إشاعته.)إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ(. وكأنهم سمعوا بلسانهم وقالوا بلسانهم. والأصل أن يسمعوا بآذانهم التي توصل الكلام إلى العقل فيتفكر فيها ثم يأمر اللسان بقول ما رأى العقل المصلحة بقوله.

ح‌- ينبغي على المسلم أن يكون عاقلا واعيا يقدر الأمور كما ينبغي، ويفهمها كما ينبغي، فلا ينساق إلى ترديد كلام مستحيل لايمكن أن يكون واقعيا بشكل ما، بل الواقع على خلافه تماما، يدرك هذا المسلم بأدنى تأمل. وهذا يستفاد من قوله )بُهْتَانٌ عَظِيمٌ( والبهتان يخالف الواقع دائما، ويكون أعظم مايكون عندما يكون معاكسا للواقع، وهو الإفك. وهذا ماسمى به الله سبحانه هذه الأخبار عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. فليس من المعقول أن تزني امرأة النبي مهما كان الأمر، حتى لو كانت كافرة كامرأة الرسول نوح ولوط ـ عليهما السلام ـ فقد أجمع العلماء على أنه لم تزن امرأة نبي قط([158]).

خ‌- التخويف من أن بعض الإشاعات ترديدها يضع المسلم المردّد على مفترق طريق مع دينه فيخسر الدنيا والآخرة. وهذا مستنبط مما تفيده )إِنْ( من التشكيك )إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(.

· حرب المصطلحات: وهي كلمات يدخلها الباطل بشكل ما، بسبب عدم دقة المصطلح واشتماله على عدة معان، منها الخير ومنها الشر، فنبه سبحانه على هذا لما فيه من الوقيعة والدسيسة في الفكر الإسلامي وتفكيك المجتمع المسلم، أو المس بقيادته وما شابه ذلك، قال تعالى:: ) مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ( ([159]).

)رَاعِنَا(: كلمة استعملها اليهود في مخاطبة الرسولr([160])، وهي تحتمل راعنا نكلمك، أي: ارقبنا وانتظرنا. وتحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابّون بها، وبلغ من اهتمام القرآن الكريم بمثل هذا النوع من الكلام غير اللائق أن كان أول خطاب يوجه للمؤمنين في القرآن الكريم هو الخطاب الذي نهاهم سبحانه فيه عن استعمال (راعنا)، ليستعملوا )انظُرْنَا( بدلا منها، قال تعالى: ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ([161]).

وفي أسلوب آخر من أساليب اليهود قال تعالى: )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(([162])، ويتلخص هذا الأسلوب بأنه على مرحلتين: الأولى: خلط الحق بالباطل لتشويهه على الآخرين، ثم حذف الحق ليبقى الباطل. فالإلباس أولا، ثم كتمان الحق ثانيا. فيبقى الباطل فقط. ومثل هذا في أيامنا كثير كاشتراكية الإسلام، ورأسمالية الإسلام وغير ذلك من أنظمة وأفكار بعيدة الإسلام يوضع إلى جانبها كلمة الإسلام، وبعد فترة من تقبل الجماهير تحذف كلمة الإسلام، وبمثل هذا التحريف حرف اليهود كتاب الله التوراة.

 

· التشكيك بأصول الدين: قد مر سابقا.

· التأثير على أخلاق المسلمين وإشاعة الفاحشة بينهم: ومر قريبا اتهام ابن أبي بالفاحشة، وقوله تعالى في وصف هذا الفريق: )إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ(.([163]). كما مرّ التروجيج لتجارة البغاء من قبل ابن أبي.

· حرب الجواسيس وعلى رأسها النفاق، وإنشاء المؤسسات المنافقة: ومر هذا في الحديث عن المنافقين، وإنشائهم مسجد الضرار.

· الطعن بالقيادة: مر هذا بالحديث عن حادثة الإفك، فكانت طعنا بعرض الرسولr، وكذلك اتهامهم له r بأنه أذن.

وفي أيامنا اشتدت الهجمات الضارية الموجهة ضد ثقافة العالم الإسلامي بكافة أشكال الشبه وألوانها، لتمسخ هويته، وشخصيته، ومما يزيدنا خوفا على ثقافتنا وأمننا الفكري في هذه الأيام حالة الضعف والتمزق التي تعيشها أمتنا الإسلامية مما جعل الأمم تتداعى عليها كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها مصداقا لحديث الرسولr([164]).

 

2-   تقديس الكتاب والسنة، واتباع سلف الأمة

 

الاعتصام بالكتاب والسنة وقاية من لا وقاية له، وملجأ منيع وحصن حصين، لمن أراد الهداية والسداد، قال تعالى: )وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(([165]). ولذلك حذرنا سبحانه من مخالفة الرسولr فقال: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(([166]). والفتنة تعبير بليغ عن اختراق الأمن الفكري.

إلا أن الاعتصام بالكتاب والسنة لن يكون وقاية للأمن الفكري إلا في حال تم الأخذ بهما على ما أراد الله سبحانه من كتابه، وما أراده الرسولr من سنته. فلو استقرينا تاريخ الفرق الضالة التي تدعي الإسلام ظاهرا، لوجدناها في المجمل لا تنكر الكتاب ولا السنة، وإنما تؤلهما تأويلا يتناسب مع ضلالاتهم بعيدا عن أصول الفهم للكتاب والسنة.

وفي أيامنا نجد الكثيرين من أمثال هؤلاء الذين يحشرون أنفسهم ويتطاولون باستنباطهم وتفسيرهم للكتاب والسنة على طريقة تلك الفرق الضالة، بحيث يخدمون بتفسيراتهم مصلحة شخصية، أو سياسة أو فكرا معينا. ومن هنا صارت الحاجة ملحة لمعرفة الطريقة التي نتحرى فيها قصد الله ورسوله في فهمنا للكتاب والسنة بطريقة سليمة مهتدية، وهنا لا بد من أمرين:

الأول: فهم سلف الأمة التي تلقت التشريع مباشرة من رسول اللهr، ورأته يطبقه، وقد أثنى الله عليهم وعلى هدايتهم، بل أمرنا باتباع هديهم فقال: )وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(([167]). وهذه الطريقة التي تجعل الإنسان على بصيرة من أمره، وحماية لفكره، ولذلك قال الله لرسولهr: )قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(([168]).

الثاني: فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما له شروط وأصول مثل: فهم اللغة العربية، ومعرفة عادات العرب، وأصول التفسير وأصول الفقه، وعلوم القرآن الكريم وغير ذلك مما هو معلوم في كتب الأصول.

فإذا اتبعنا هذين الأمرين نكون قد اعتصمنا بالكتاب والسنة، وتحرينا قصد الله سبحانه من كتابه، وقصد الرسولr من أقواله وأفعاله، فمن أخطأ بعد ذلك يكون معذورا، وبغير هذه الأصول يكون ضالا. وقد قال الرسولr: «تَركْتُ فيكُمْ أَمْرَيْنِ لنْ تَضِلُّوا ما تَمسَّكْتُمْ بهما: كتابَ الله، وسنّة رسولِهِ»([169]).

 

3-   التجرد في إعمال العقل والفكر

 

للعقل أهمية بالغة في حفظ الإنسان من السوء بشكل عام، ولذلك حرم الإسلام كل ما يلغيه ويعطله، مثل الخمر والمخدرات، بل صار حفظ العقل من مقاصد الشريعة الإسلامية([170])، ولما كانت بعض الأمور مثل القومية والقبلية والحزبية والقرابة والصداقة، وغير ذلك من الوشائج والعلاقات  تؤثر على عاطفة الإنسان، ومن ثم تشوش على تجرد عقله في اتخاذ ما يناسب من الأفعال والأقوال، أمر الله سبحانه الإنسان أن يتجرد منها، ويخلو بنفسه لإعمال عقله بعيدا عن المؤثرات؛ لأن هذه أحسن الأحوال لتحقيق الإنصاف والسداد.

لذلك عالج سبحانه هذه الحواجز والعوائق المعكرة على العقل صفوه بقوله: )قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(([171]). فإن الإنسان لو جمع ما ينبغي جمعه من العلم، ثم أعمل عقله بهذا التجرد، سيصل غالبا إلى النتيجة الصحيحة، وسيبني فكره بكل أمن وسلام، ويكون قد أحاط عقله بوقاية لا تضاهى أمام الغزو الفكري مهما كان مصدره.

ولذلك أنكر سبحانه على المشركين عدم الإيمان؛ إذ كان يكفي لمعرفة أحقيته مجرد التفكير فقال سبحانه: )وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(([172]). فالعرب تؤمن أن الله يحيي ويميت، ومع هذا عبدت غيره من حجارة هي مخلوقة لهذا الإله في عقيدة العرب! وهذا يأباه العقل السلم.

وبنفس الأسلوب احتج إبراهيمu على قومه؛ إذ عبدوا أصناما لم تستطع أن تقي أنفسها من ضربات الفأس، ومن باب أولى أنها لا تملك لأحد نفعا ولا ضرا، قال تعالى عن إبراهيمu: )قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(([173]). بمعنى أن الوصول إلى الحق في هذه الأمور كان يكفي فيه مجرد إعمال العقل لا غير، ولكن بتجرد، فلو أعملوا العقل على هذه الصفة لوقاهم من الشرك.

 

4-   التخويف من قتل المؤمن

 

قد تبدو جريمة القتل مسألة جنائية بعيدة عن الأمن الفكري، وهي كذلك لو كانت مسألة شجار، أو ثأر أو قتل خطأ، وما شابه ذلك من الجنايات، وهذا النوع عادة لا يهدد الأمن الفكري، والوقاية منه أخلاقية ودينية سلوكية، إلا أن القتل الذي أقصده هنا هو ذاك الناشئ عن فكر منحرف دخيل على الإسلام، ولو كان الأمر فرديا لهان الأمر، ولكن الخرق اتسع ليصبح تنظيرا لدى بعض الجماعات والأحزاب وغيرها من التكتلات والأنظمة، التي تقتل المؤمن لمجرد خلاف في الفكر، أو الرأي، أو على ذنب لا يستوجب القتل في شريعتنا. وهذه الاستهانة في قتل المسلم دخيلة على الشريعة الإسلامية التي جعلت من مقاصدها حفظ النفس([174])، وهي تهدد بكل قوة أمنها الفكري، ولذلك نجد الكثير من النصوص الشرعية التي تتعاضد لتشكل حاجزا واقيا لهذه النفس. قال الله تعالى: )وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ(([175]). فهذه الآية تنهى عن قتل كل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق، ولو لم تكن مؤمنة؛ لأن الأصل في حياة الإنسان الحفظ، ولذلك قال سبحانه: )إِلاَّ بِالْحَقِّ( يعني بالدليل، والقضاء، وليس عن هوى، أو بشكل شخصي حتى لو كان معه دليل؛ لأن الذي يقيم الأحكام القضاء وليس أفراد الأمة.

وقال تعالى: )وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابا عَظِيما(([176]).

ولقد بلغ الترهيب من قتل النفس أن جعله سبحانه قرينا للشرك فقال: )وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَها آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ(([177]). قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: لم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار. فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته([178]).

وأخبرنا سبحانه أنه كتب على بني إسرائيل أن قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا فقال:)مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعا(([179]).

وإن المسلم عندما يتلو هذه الآيات الكريمات في كتاب الله العزيز، تتشكل عنده وقاية من أي فكر منحرف يستهين بالنفس المؤمنة، وتحفظ له أمنه الفكري الذي يأمن به مجتمعه كذلك. وقد يقول قائل: إن الآيات موجودة والقتل موجود! والجواب: لو افترضنا عدم وجود هذه الآيات لكان القتل أكثر مما يتصوره الإنسان، ووجود الآيات شكل وقاية للكثيرين، كما أن وجود الآيات يعد دليلا بيد العلماء والدعاة والوعاظ قويا في الاحتجاج، وذريعة للتركيز على فهمها كما ينبغي، وكلما كان التركيز أكثر كانت الوقاية أكبر.

 

5-   طاعة أولي الأمر، وعدم اتباع الهوى

 

قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(([180]). وقال: )وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(([181]).

طاعة أولي الأمر مهمة لتحقيق مصلحة الأمة، وجمع كلمتها، فالدين الإسلامي من طبيعته أنه يخاطب العقل، ويدعو إلى التأمل والتفكر، وفي هذا تربية للأمة، وتنمية للعقل الذي بعظمته تعظم الأمم وتسود الحضارات، ولكن هذه الحرية الشرعية المعطاة للعقل قد تسبب بعض الإشكالات والخلافات عندما نختلف في فهم الدين، وأسباب الخلاف في فهم الدين كثيرة، منها الجهل وعدم الاطلاع على أصول الاجتهاد، ومنها اتباع الهوى، ومنها التعصب، ومنها التقليد، وغير ذلك. وتبقى الخلافات بسيطة ما لم تهدد أمن البلاد الفكري، وثقافة الوطن، فمثل هذا الخلاف يهدد أمن الدولة، وهوية الأمة، وعندئذ لا بد من حسمه، والوقاية من هكذا خلاف.

 ولذلك أمرت الشريعة باتباع أولي الأمر، ولو خالفوا الرأي الشخصي، إذ طالما تكلم أولوا الأمر في هذه المسألة , وطلبوا الطاعة فيها، فهذا يعني أنهم تبنوا فهما معينا فيه صلاح البلاد والعباد، وطاعة أولي الأمر في هذه المسألة لا تعني أن يغير الفرد فهمه؛ لأن هذا ليس بوسعه ما لم يقتنع، وإنما المقصود من هذا ترك العمل في الجماعة برأيه المخالف لرأي ولي الأمر، فإن اقتنع بكلام ولي الأمر كان بها، وإن لم يقتنع احتفظ برأيه لنفسه فقط، والتزم بما عليه الجماعة من طاعة أولي الأمر حرصا على وحدة الأمة، وتماسك البلاد.

إلا أن المسألة هنا تستدعي منا تعريف (أولي الأمر) المطلوبة طاعتهم، فإن المطلع على كتب الأصول يجد عدة آراد:

-   فمن العلماء من رأى أنهم الأمراء، ومنهم من رأى أنهم العلماء([182]).

-   ومنهم من جمع فقال: العلماء والأمراء: ومن هؤلاء الفلاني([183]). والآمدي([184]). والشاطبي([185]).

وإذا فهمنا قصد العلماء من هذه الأقوال نرى أنهم لم يختلفوا. فإن طاعة الأمراء بالمعروف متفق عليها أصلا، وهي من بدهيات الدين. وإنما قصد من قال: إنهم العلماء وليس الأمراءأمران:

الأول: هو أن الحكام يسمعون للعلماء، فطاعة العلماء يتبعها على طريقتهم طاعة الأمراء.

الثاني: إن طاعة الأمراء منصوص عليها بنصوص كثيرة جدا، وبخاصة في السنة النبوية، ولا نقاش فيها، فهي واجبة بالإجماع([186]) على العلماء وغيرهم، وإنما قالوا: المقصود بهم العلماء؛ لقوله تعالى في الآية السابقة: )لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ( قالوا: هم العلماء؛ لأنهم هم أهل العلم والاجتهاد. لذلك قال السرخسي: فإن أمراء السرايا إنما يستنبطون بالرأي إذا كانوا علماء([187]). وقال البيضاوي: العلماء هم أولوا الأمر؛ لأن أمورهم تنفذ على الأمراء والولاة([188]).

وهكذا يتضح بأن أولي الأمر على الإطلاق هم الأمراء والعلماء على الطريقة التي وضحتها آنفا، وأما إن قيل: (ولي الأمر) بالمفرد فعندئذ يقصد به الحاكم الذي اتفق عليه المسلمون.

 

6-   تجنب التقليد الأعمى

 

أصل التقليد في اللغة: مأخوذ من القلادة، التي يقلد غيره بها، ومنه تقليد الهدي. قال الفرزدق:

حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ والمُصَلَّى         وأَعْنَاقِ الهَدِيِّ مُقَلَّدَاتِ([189])

وفي المصطلح: عرفه الغزاليُّ، وابنُ قدامة، والآمديُّ، وابنُ الحاجب، وابنُ الهمام، والشوكانيُّ، وغيرهم: العمل بقولِ الغير من غير حجةٍ([190]).

والمشهور من التقليد هو تقليد الأئمة الأربعة فيما ذهبوا إليه من الآراء الفقهية، إلا أن البحث غير معني بهذا النوع من التقليد؛ لأنه لا يشكل تهديدا للأمن الفكري، وفي الشريعة سعة للاختلاف، وخاصة عندما يكون الخلاف ناجما عن مجتهدين معتبرين في الشريعة الإسلامية.

والتقليد الذي يشكل خطرا على الأمن الفكري هو ذاك الناشئ عن تقليد لرؤوس الضلال من الفرق المارقة، أو من تقليد المستغربين من بني جلدتنا للغرب، أو من تقليد بعض الشباب لبعضهم الآخر، ممن عرفوا بتطرفهم، وعدم اكتراثهم بمخالفة العلماء الراسخين في العلم.

والذي أدى لمثل هذا التقليد الخطير نجاح الغزو الفكري في خلق هوة بين العلماء والعوام، بسبب شراء ذمم بعض العلماء، أو تقديم من لايستحق التقديم منهم، وقلة كفاءة منتجات دور العلم الشرعي، وتخلفها عن مواكبة العصر الحاضر، وتخلفها في تقديم فهم لائق يجاري تطورات العصر الراهن، ضف إلى ذلك ما يلاحظ على بعض أهل العلم من البون الشاسع بين ما يدعون إليه وما يمارسونه من سلوك على أرض الواقع، وقد ساهمت الثورة المعلوماتية بتطوير وسائل الاتصال والتوثيق والعرض برفع كثير ممن لا يستحق الرفع وخفض آخرين. كما أن كبوة العالم أو الداعية في ظل وسائل الاتصال والعرض الحديثة لم تعد مخفية أو محصورة ضمن البيئة أوالدائرة التي حصلت فيها، وسرعان ما تتحول إلى ملفات تعرض على شاشات العالمين.

هذا كله، ويضاف إليه ما تعانيه الأمة من تبعية للخارج، وضعف وهوان وانبهار بالقوي وأسباب أخرى، أعطت هؤلاء الشباب ـ في نظر البعض ـ حقا ليدلوا بدلوهم في فهم الشريعة الإسلامية وتناول الواقع المعاصر من خلال هذا الفهم، متنكبين لعلمائها الذين صاروا موضع شك واتهام.

ومع إقرارنا بأن كثيرا من العلماء في أيامنا بحاجة إلى تحديث، ومعاصرة، من غير التخلي عن الأصالة والهوية والثقافة، ومع إقرارنا بأن بعض من عرفوا بالعلم لم يرفع بذاك العلم رأسا، ولم يخدم وطنا، إلا أنه في المقابل لا ينبغي القفز إلى الطرف المقابل فيتعالم الجاهل ويتطاول قليل البضاعة على مسائل عويصة في الفكر الإسلامي يهابها جهابذة العلماء.

كما أنه لا ينبغي الفرار من تقليد أئمة معروفين عبر قرون إلى تقليد شباب مجازفين لا يمتلكون آلة لفهم الدين، ولا تصورا صحيحا عن مقاصده وروحه.

كما أن التقليد بكافة أشكاله لن يشكل تهديدا لشيء في حال أخلص صاحبه والتزم اتباع الدليل لو ظهر له دون تعصب؛ لأن الأصل في الاتباع هو البرهان، واتباع الأشخاص مهما كان شأنهم إنما كان بسبب مظنة تحليهم بالبرهان وتمكنهم منه. ومن هذا الباب ذم سبحانه المشركين الذين تركوا البرهان واتبعوا أشخاصا دون تأمل أو تفكر، مما ورطهم في تبرير الشرك ودفع الحق الأبلج. قال تعالى: )أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ(.([191])

فكل ادعاء باطل ما لم تحفه الأدلة وتُعزّه البراهين. ولو استسلم المشركون بسبب عجزهم عن البرهان، وانقادوا لدليل الرسل لما ضرهم شركهم القديم؛ إذ لم يكن البرهان موجودا، وإنما يضرهم بعد قيام الحجة بالبرهان الساطع، إلا أن الكثيرين منهم تمسكوا بالتقليد في وجه الدليل.

وهذا المعنى تؤكده آيات كثيرة، قال تعالى: )وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(.([192]) إلا أنهم عجزوا أن يأتوا بما يثبت صدقهم،وبنفس الوقت أعرضوا عن دليل الرسول وبرهانه فاستحقوا العذاب، قال تعالى:) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ( ([193]).

فإن (الإله) من عِلم الغيب فلا يكون الإيمان به كما يليق إلا بالإخبار، والإخبار لا يكون إلا من الله، والله تبرأ أن يكون قد أمر بشركهم، ولذلك نسب الله لهم هذا الشرك في أكثر من آية فقال:)إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ([194])(. إذا لا دليل إلا التقليد الأعمى للآباء، قال تعالى: )بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ . وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ . قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ(([195])!. فبين سبحانه بأن آباءهم غير مؤهلين علميا، وتقليدهم غير مبرر، "وفيه إبطال منفعة العقل؛ لأنه إنما خلق للتأمل والتدبر"([196]) وبخاصة في حضور الدليل الدامغ المعارض لما عليه آباؤهم.

 

نتائج البحث

 

تم بحمد الله الانتهاء من البحث، وقد توصلت فيه إلى النتائج الآتية:

1-  لا جديد فيما سُمي بالأمن الفكري سوى المصطلح، فقد تعامل معه القرآن الكريم وبيّن سُبل تعزيزه والوقاية من مهدداته.

2-  لقد تعرض الأمن الفكري في المرحلة المكية لغزو من جهة المشريكن، إلا أنه لم يصل إلى نتيجة بسبب الردود القرآنية المفحمة، وما تكوّن من وقاية لدى الصحابة من هذا الغزو. ولذلك لم تكن هناك ظاهرة رِدّة بسبب شبههم.

3-  إن الغزو الفكري الشركي في المرحلة المكية، يعد الركيزة التي ينطلق منها الغزو الشركي المعاصر، مع التطوير من خلال الوسائل والأساليب الحديثة.

4-  هدد المنافقون الأمن الفكري زمن البعثة، بشبههم وشكوكهم، فتصدى لهم القرآن الكريم بالفضح، والكشف عن حقيقة ما يروجونه من إرجافات.

5-  النفاق كان ولا يزال يهدد الأمن الفكري، وكل شبهة قديمة لها تسويق حديث، وكل وقاية قرآنية فاعلة في زماننا، وتحتاج إلى تحديث بوسائل الزمان والمكان.

6-   اعتمد القرآن أسلوب الفضح لأساليب الغزو الفكري ليحذرها المسلم.

7-  ركز القرآن الكريم على تعزيز عقيدة المسلم واعتصامه بكتابه وسنة رسوله وكافة أصول عقيدته، لتمكين المسلم من الاعتزاز بدينة وفكره في وجه الطرف الثاني.

8-   دعا القرآن الكريم الطرف الثاني إلى ترك التعصب وإعمال العقل المتجرد، قبل اتخاذ مواقف عدائية من الإسلام.

9-  لما كان قتل المؤمن نتيجة متوقعة من الخلل في الأمن الفكري، خوف القرآن الكريم من مغبة الولوغ في الدماء المعصومة، وشدد في العقوبة عليها.

10-  لما كان أمر المسلمين يحتاج إلى حسم في بعض الأمور الاجتهادية أو الأمنية أو غير ذلك، مما قد يهدد الأمن الفكري، دعا القرآن الكريم التزام جانب أولي الأمر توحيدا للرأي، ووقاية من التفكك والاختلاف.

11-  نهى القرآن الكريم عن التقليد الأعمى الذي يعطل العقل، وقاية للإنسان من الضلال والضياع، مما يهدد أمنه الفكري.

 

التوصيات

 

1-         تقوية عقيدة المواطن، وربطها بالجانب النفسي لتكوين صلة بين العقل والقلب.

2-    اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تعزز حرية الرأي، والمحاورة الهادفة، بحيث يتم التعامل مع مواطن واضح، بينما الكبت يتسبب بتفريخ تكتلات باطنية سلبية، تخرج رأسها في مراحل ضعف الدولة. فإن مخاطر حرية الرأي أقل من مخاطر كبته.

3-         كشف حقيقة الحضارات الزائفة والعقائد البالية التي يحاول الطرف الثاني تزيينها ليغرر بها المسلمين.

4-    عدم الترخيص للمؤسسات التي تدور حولها شبهات الغزو الفكري، بينما تتستر تحت لافتات أكاديمية أو إغاثية أو إعلامية أو غير ذلك.

5-         تطوير الجامعات بالكفاءات بهدف الحدّ من البعثات الخارجية، باعتبارها مدعاة للغزو الفكري المركز.

6-         إعادة هيكلة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، ليعزز ثقة المواطن بفكره وثقافته.

7-    إنشاء مراكز لدراسة الشبهات التي يتعرض لها فكر المواطن والمغترب، وإعداد برامج إعلامية، ودعوية في المساجد، والندوات، من أجل الرد عليها وتعريتها.

8-         الإكثار من دور العلم الشرعي بكافة تخصصاته، باعتباره الدرع الحصين أمام الغزو الفكري.

9-         زيادة المواد الشرعية في التخصصات العلمية بهدف تعزيز الأمن الفكري

10-  اعتماد مادة حاضر العالم الإسلامي في الجامعات؛ لأنها مثال عملي على تهديد الأمن بكل أشكاله، وعلى رأسها الفكري.

11-    الحد من العلاقات العلمية والثقافية والفكرية مع الدول ذات التهديد الأكبر على فكر الشعب.

12-  الاهتمام بالجرعة العقدية والثقافية التي يتلقاها الطالب في المرحلة التأسيسية من دراسته لتكوين مناعة ضد الغزو الفكري.

13-  التركيز من خلال وسائل الإعلام على أن من طبيعة الإسلام الاعتدال والوسطية. ولفت النظر إلى تعدد المذاهب المعتبرة، فليس كل من خالفنا كان عاصيا مبتدعا أو ضالا أو كافرا.

14-  التاكيد على ضرورة أن يكون العالِم قدوة نظرية وسلوكية تطبيقية، ليكون محط ثقة المواطن، وإلا ضعُف دوره في إصلاح المجتمع، وعرّضه لمزيد من الغزو الفكري.

 

تم البحث بحمد الله

l

المصادر والمراجع

 

  l القرآن الكريم برواية حفص عن عاصمl

 

1.    إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ـ محمد بن علي بن محمد الشوكاني ـ تحقيق: أحمد عزو عناية ـ دمشق - كفر بطناـ دار الكتاب العربي ـ ط1 ـ 1419هـ - 1999م

2.    إسهام الإعلام التربوي في تحقيق الأمن الفكري (رسالة ماجستير) ـ جامعة أم القرى ـ كلية التربية ـ 28-1429هـ ـ زيد بن زايد الحارثي: 60-61.

3.    استراتيجية تعزيز الأمن الفكري ـ متعب بن شديد بن محمد الهماش ـ بحث مقدم للمؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري ـ جامعة الملك سعود ـ 1430هـ.

4.    أصول السرخسي ـ محمد بن احمد بن ابى سهل السرخسى ـ  ـ بيروت لبنان دار الكتاب العلمية ـ ط1 ـ 1414 هـ- 1993 م.

5.    أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ـ عياض بن نامي بن عوض السلمي ـ المملكة العربية السعودية ـ الرياض - دار التدمرية ـ ط1 ـ  1426 هـ - 2005 م

6.    إظهار الحق - محمد رحمت الله بن خليل الرحمن الكيرانوي العثماني الهندي ـ دراسة وتحقيق: الدكتور محمد أحمد محمد عبد القادر خليل ملكاوي ـ الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – السعودية ـ ط1 ـ 1410 هـ - 1989 م

7.    إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان- محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله (ابن القيم)ـ تحقيق: محمد حامد الفقي – بيروت ـ دار المعرفة ـ ط2 ـ 1395 – 1975.

8.    إيقاظ همم أولي الأبصار للإقتداء بسيد المهاجرين والأنصارـ صالح بن محمد بن نوح العمري،الشهير بالفلاني ـ بيروت - دار المعرفة – 1398هـ.

9.    الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي- علي بن عبد الكافي السبكي – بيروت ـ دار الكتب العلمية ـ ط1 ـ 1404هـ.

10.  الإحكام في أصول الأحكام ـ علي بن محمد الآمدي أبو الحسن- بيروت ـ  دار الكتاب العربي ـ تحقيق : د. سيد الجميلي ـ ط1 ـ 1404هـ.

11.     الأعلام ـ خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي ـ  دار العلم للملايين ـ ط5 ـ مايو 2002 م

12.  البحر المحيط ـ بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي ـ تحقيق ـ بيروت ـ دار الكتب العلمية ـ 1421هـ - 2000م

13.     البداية والنهاية ـ اسماعيل بن كثير الدمشقي ـ دار إحياء التراث العربي ـ ط1 ـ 1408 هـ ـ 1988 م

14.     التحرير والتنوير ـ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور - تونس ـ دار سحنون للنشر والتوزيع - 1997م.

15.  التفسير الكبير (مفاتح الغيب) - محمد بن عمر بن الحسين الرازي ـ بيروت ـ دار إحياء التراث العربى ـ 1421هـ - 2000م

16.     الكتاب المقدس ـ دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ـ 1987م.

17.  الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ـ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ـ تحقيق:علي بن حسن بن ناصر الألمعي وغيره ـ المملكة العربية السعودية ـ الرياض ـ دار الفضيلة ـ ط1 ـ 1484هـ/ 2004م.

18.  العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ـ محمد طاهر التنير ـ تحقيق محمد عبد الله الشرقاوي ـ القاهرة ـ دار الصحوة ـ 1989م.

19.  الفصول في الأصول ـ الإمام أحمد بن علي الرازي الجصاص ـ تحقيق:د.عجيل جاسم النشمي ـ الكويت ـ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ـ ط2 ـ 1414هـ=1994م.

20.     الفقه الإسلامي وأدلته ـ وهبة الزحيلي ـ ط4 ـ دار الفكر - سوريَّة – دمشق.

21.  الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي ـ د.مُصطفى الخِنْ. ود.مُصطفى البُغا، وعلي الشّرْبجي ـ دمشق ـ دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع ـ ط4 ـ 1413 هـ - 1992 م

22.     الفوز الكبير – شاه ولي الله دهلوي ـ القاهرة ـ دار الصحوة – ط2 - 1407 هـ - 1986 م

23.     القاموس المحيط ـ محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ـ مؤسسة الرسالة – بيروت

24.  الكامل في التاريخ - أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني ـ بيروت ـ دار الكتب العلمية - 1415هـ، ط2، تحقيق: عبد الله القاضي

25.  الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ـ أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ـ تحقيق : عبد الرزاق المهدي ـ بيروت ـ دار إحياء التراث العربي

26.     اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ـ محمد فؤاد عبد الباقي ـ دار الفكر ـ بيروت.

27.     المثل الأعلى في الأنبياء ـ خوجة كمال الدين ـ بيروت ـ دار الفكر ـ ط1 ـ 1409هـ ـ 1989م.

28.     المستصفى من علم الأصول ـ محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ـ بيروت ـ دار الكتب العلمية ـ 1413هـ

29.     المسيحية - أحمد شلبي ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة ـ ط10 ـ 1998.

30.     المعجزة القرآنية - د. محمد حسن هيتو ـ مؤسسة الرسالة ـ 1409هـ ـ 1989م.

31.     المعجم الوسيط ـ مجمع اللغة العربية في القاهرة

32.     الملل والنحل لابن حزم 1/75-76.

33.     المنافقون في القرآن - د. عبدالعزيز عبدالله الحميدي

34.  الموافقات ـ إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي ـ تحقيق : أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان ـ السعودية ـ دار ابن عفان ـ ط1 ـ 1417هـ/ 1997م.

35.     الموطأ ـ الإمام مالك بن أنس ـ بيروت ـ  دار الآفاق ـ ط4ـ 1985م

36.     النبوة والأنبياء للصابوني ـ بيروت ـ مؤسسة مناهل العرفان ـ بيروت ـ ط3 ـ 1405هـ ـ 1985م.

37.     النفاق آثاره ومفاهيمه - عبد الرحمن الدوسري ـ الرياض ـ مكتبة الرشيد ـ ط2 ـ 1404هـ ـ

38.  أنوار التنزيل وأسرار التأويل ـ ناصر الدين أبو الخير عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي ـ بيروت ـ دار الفكرـ 1998م.

39.  تاج العروس من جواهر القاموس ـ محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني ـ تحقيق مجموعة من المحققين ـ دار الهداية.

40.  تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري ـ مال الدين عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي ـ الرياض ـ دار ابن خزيمة - 1414هـ ـ ط1 ـ تحقيق : عبد الله بن عبد الرحمن السعد

41.  تفسير القرآن العظيم - إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي ـ تحقيق ـ سامي بن محمد سلامة ـ دار طيبة للنشر والتوزيع ـ ط2 ـ 1420هـ - 1999م

42.  تلبيس إبليس - جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي ـ بيروت ـ دار الفكرـ ط1 ـ  1421هـ/ 2001م

43.  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ـ عبد الرحمن السعدي ـ مؤسسة الرسالة ـ ط1 ـ 1420هـ -2000 م: 193ـ 194.

44.  جامع الأصول في أحاديث الرسول         ـ المبارك بن محمد  بن الأثير الجزري ـ تحقيق عبد القادر الأرناؤوط ـ بيروت ـ دار الفكر ـ 1420هـ / 2000م ـ

45.  جامع البيان في تأويل القرآن ـ محمد بن جرير بن يزيد الآملي، أبو جعفر الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكرـ مؤسسة الرسالة ـ ط1ـ 1420 هـ - 2000 م

46.  جامع الترمذي ـ محمد بن عيسى الترمذي السلمي ـ تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون ـ بيروت ـ دار إحياء التراث العربي - ط2 ـ 1395هـ .

47.     جذور البلاء - عبد الله التل: المكتب الإسلامي.

48.     حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة ـ د. جميل عبد الله المصري ـ ط1 ــــ 1406هـ/ 1986م.

49.  سنن أبى داود بأحكام الألباني ـ سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي ـ تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ـ بيروت ـ دار الفكر

50.     السيرة النبوية ـ عبد الله بن يوسف ابن هشام الأنصاري ـ دار الكتب العلمية ـ ط1 ـ 2009

51.     شرح ديوان المتنبي - عبد الرحمن البرقوقي 2/11. دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان.

52.  صحيح البخاري ـ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله ـ المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر ـ دار طوق النجاة ـ ط1 ـ 1422هـ ـ

53.  صحيح مسلم ـ مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري ـ تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ـ دار إحياء التراث العربي – بيروت

54.     صفات المنافقين - محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ـ ط1 ـ 1410هـ

55.     عمدة التفسير - أحمد محمد شاكر ـ دار الآثار للنشر والتوزيع ـ ط1

56.  فتح الباري شرح صحيح البخاري ـ أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني ـ المحقق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ومحب الدين الخطيب ـ دار الفكر.

57.  فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسيرـ محمد بن علي بن محمد الشوكاني ـ دار الفكر – بيروت.

58.     كتاب العين ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي ـ بي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي ـ دار ومكتبة الهلال

59.     لسان العرب ـ محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري ـط1ـ بيروت ـ دار صادر

60.     مجلة صوت تركستان الشرقية. تصدر المجلة عن مركز أبحاث تركستان الشرقية في تركيا.

61.  مجموع الفتاوى ـ أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس ـ مكتبة ابن تيمية ـط2ـ تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي

62.     محاضرات في النصرانية - محمد أبو زهرة ـ الرئاسة العامة للإدارات والبحوث العلمية ـ الرياض ـ ط4 ـ 1404هـ

63.     مسند الإمام ـ أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني ـ مؤسسة قرطبة - القاهرة

64.  معجم مقاييس اللغة ـ أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا ـ تحقيق: عبد السلام محمد هارون ـ دار الفكر ـ  1399هـ - 1979م.

65.     مفردات غريب القرآن - الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني أبو القاسم ـ دار القلم ـ دمشق

66.     موسوعة المستشرقين للدكتور عبدالرحمن بدوي: 197. ط3 ـ 1993. بيروت ـ دار العلم للملايين.

67.  هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ـ محمد بن أبي بكر أبو عبد الله  (ابن القيم) ـ الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة.

68.     Petroff M.G, Evolutionary Psychology – ISSN 1474-7049 – Volume 9(2). 2011, book review (The Primal Instinct: How Biological Security MotivatesBehavior, Promotes Morality).

 

فهرس المحتويات

 

- ملخص البحث                                                                                              2

- مقدمة: فيها تمهيد وإظهار العلاقة بين الأمن الفكري والقرآن الكريم                                2

- تعريف الوعي الوقائي                                                                               3

- تعريف الأمن الفكري                                                                                4

 

أولا: الوعي الوقائي في القرءان المكي                                                                5

1-      تهديد المشركين للأمن الفكري والوقاية منه                                    6

2-      العلاقة بين الوعي الوقائي المكي والعصر الحاضر                          12

 

ثانيا: الوعي الوقائي في القرءان المدني                                                               14

1-      التهديد اليهودي للأمن الفكري والوقاية منه                         14

2-      تهديد المنافقين للأمن الفكري والوقاية منه                                      19

3-      تهديد النصارى للأمن الفكري والوقاية منه                                    24

4-      العلاقة بين الوعي الوقائي المدني والعصر الحاضر                          29

 

ثالثا: أهم ركائز الوعي الوقائي في القرءان الكريم                                                  30

1-      كشف أساليب الغزو الفكري وأهدافه                                            30

2-      تقديس الكتاب والسنة، والاعتصام بهما.                                        32

3-      التجرد في إعمال العقل والفكر                                                   33

4-      التخويف من قتل المؤمن                                                          34

5-      طاعة أولي الأمر، وعدم اتباع الهوى                                           35

6-      تجنب التقليد الأعمى                                                               36

نتائج البحث                                                                                                    39

التوصيات                                                                                                      40

المصادر والمراجع                                                                                           41

أضف تعليق

نص اتفاقية التعليق


كود امني
تحديث



المرئيات

الصوتيات

ألبوم الصور

تداعت عليكم الأمم